اعلن هنا
اعلن هنا
تقاير وتحقيقات

القطايف الفلسطينية.. حكاية تطور حلوى عمرها 1300 سنة

اعلن هنا

تعتمد الحاجة سهيلة القيسي ابنة الثامنة والسبعين من رام الله، على الأنف قبل العين لكشف جودة عجينة القطايف، الحلوى الأكثر شهرة وحضورا على المائدة الرمضانية الفلسطينية، حيث تحرص مثل الجميع على توفيرها بنفسها لنفسها وزوجها ولأسر أولادها وأحفادها يوميا طيلة أيام الشهر الفضيل في عادة متصلة منذ ستة عقود.
وفي فلسطين كما أغلب البلدان العربية تحظى القطايف بشعبية واسعة خصوصا خلال شهر رمضان، وتعتبر أشهر طقوسه متى تعلق الأمر بعادات الأكل والحلويات المتوارثة.
وفي رام الله لا يقتصر إعداد وبيع القطايف على محال الحلويات، فالإقبال الكبير يشجع كثيرين وخاصة من أصحاب المحال التي تتأثر بحرمة الصيام من مقاه ومطاعم وغيرها، على تجربة حظهم في إعداد وبيع هذه الحلوى ومستلزماتها للاستفادة من الموسم.
وأمام العرض الكثير، تلجأ الحاجة سهيلة من واقع خبرتها المجربة والمستوحاة من إعدادها في المنزل لسنوات، إلى حاسة الشم لتحديد الاختيار الأفضل من بين المعروض، وهي طريقة يؤكد صحتها حلوانيون ضليعون في صناعة القطايف الفلسطينية التي تتميز عن غيرها في البلدان العربية بمكونات وتفاصيل حصرية تظهر في رائحتها الزكية.
ورغم تقدمه في العمر والأمراض المرتبطة به، يستعين نوفل حماد بعكازه للوصول إلى معرض حلويات مرموق لشراء حاجته، وبتهكم على قلة خبرة الجيل الجديد، يقول: الأولاد يعتقدون أن كل ما يرونه هو قطايف؟!، لكن الواقع هو أن العجينة الجيدة هي أساس نجاح ومذاق الوصفة المشتهاة.
وعن إدمانه عليها، يقول: تحذير أولادي من ضررها على صحتي بذريعة السكر والسعرات لا يكبح رغبتي.. لا أتخيل ليلة رمضانية لا تزين القطايف سهرتها، لقد تفتحت مداركي على شكلها وطعمها وأفتقدها من العام إلى العام.
ويعكس ولع نوفل بهذه الحلوى التي ترجع الروايات بداية ظهروها إلى العصر الأموي، الشغف الشعبي بها من قبل الصائمين وغير الصائمين وحتى من الشرائح الفلسطينية غير المسلمة.
ويقول: أنا أتناولها كحلوى محشوة بالجوز والقرفة بعد الإفطار، ويقبل عليها أفراد من الأسرة كوجبة حلوة وخفيفة بعد الإفطار أو مع السحور والأطفال يسبقون الجميع إليها، ويستهلون بها وجبة الإفطار، الجميع يتلذذ بها حيث يعتقد أنها تساعد على مقاومة الجوع ومنح إحساس بالشبع في نهار اليوم التالي حيث يمتد الصيام لأكثر من 16 ساعة.
وتحرص متاجر حلويات على توفيرها لزبانها على مدى العام على شكل عجينة أو حلوى جاهزة للتقديم، إلا أن صاحب حلويات الشرق العريقة في رام الله، يقول إن الإقبال عليها لا يكاد يذكر وبكميات قليلة في الأيام العادية، فيما يصطف المستهلكون في طوابير للحصول عليها في رمضان، خصوصا قبيل موعد الإفطار حيث يحرص كثيرون على العودة بها ساخنة إلى منازلهم.
ويباع الكيلو غرام الواحد من عجينة القطايف في رام الله، بـ 12 شيقلا في سعر موحد ومتفق عليه غالبا، فيما لا يقل ثمن الجاهز منه للتقديم عن 40 أو 45 شيقلا، ورغم ذلك يعد تحضيره وبيعه ومستلزمات حشوه تجارة رائجة ومربحة طوال الشهر.
وأمضى حاتم أحمد عبد الوهاب صاحب ومدير محل البستان للحلويات برام الله والحاصل على درجة الماجستير في إدارة الأعمال من بريطانيا 50 عاما في صناعة الحلويات الشرقية وخاصة القطايف والكنافة وتطويرها دون الإخلال بعراقتها وميزتها الخاصة الفلسطينية الأصيلة.
وعن بدايته معها، يقول: لدى والدي واحد من أعرق محال الحلويات برام الله أسسه عام 1956 عملت فيه منذ نعومة أظفاري، ورغم دراستي الجامعية وحصولي على شهادة عليا تؤهلني للعمل في مجالها، إلا أن شغفي بالحلويات أعادني إليها وأسست محلا خاصا بي وما أزال على رأسه منذ 36 عاما.
ويتابع. هذه الحلوى ليست اختراعا فلسطينيا، وعندما نتحدث عن قطايف فلسطينية فنحن لا ندعي ولا نتبجح، نحن نصنعها بمكونات وتفاصيل ولمسات وخصوصية مختلفة عما تصنع في باقي البلدان العربية التي تشتهر بها القطايف
وحول ما يعتقد أنه يميز القطايف الفلسطينية، قال: من ضمنه السميد وكميته في الحلوى نحن نستخدم مكيالين من السميد الفاخر مقابل مكيال واحد من الدقيق الأبيض الفاخر الذي تصنع منه وحده هذه الحلوى في أغلب البلدان العربية الأخرى
ويتابع عبد الوهاب، استخدام السميد بهذا القدر يتطلب خبرة ومهارة وبغير ذلك يقود إلى تشقق القرص ويشوه مظهره والطعم.
وأضاف: السيدة التي كانت تشم القرص للتحقق من الجودة بتقديري كانت خبيرة السميد المتفتح بدرجة كافية وناضج حسب الأصول وذي رائحة خاصة ومميزة لا تتوفر في الآخر المصنوع من الدقيق أو غير المتقن وهذا ما كانت تبحث عنه هي.
وتصنع القطايف من عجينة سائلة قد يضيف حلوانيون لمساتهم إليها ضمن ما يتعارفون عليه “بسر المهنة” مثل الحليب السائل أو الجاف وبمكروبات الصودا ونكهات، ثم تصب بذات الطريقة التقليدية على شكل دائرة بواسطة إبريق خاص أو مغرفة على سطح معدني ساخن، ومتى بدأت تنضج يتحول القرص الأبيض إلى ما يشبه قرص عسل النحل ثم يرفع ويبرد ويغطى طازجا للمحافظة على طراوته ونضارته وقابليته للإغلاق الذاتي من الأطراف ضمن طريقة تقليدية متبعة تخرجه على شكل هلال.
ومثل اغلب المهن التقليدية في فلسطين وجدت الالة طريقها الى القطايف وباتت محال حلويات كبيرة تسعى لتوفير الطلب الكبير وتقليل الكلفة مع حرص مشغليها على اصالة المنتج.
ويقول عبد الوهاب: انا عملت على اتمتت هذه العملية وتحويل عملية الصب لآلية بالكامل، وافخر بأنني اول من ادخل الى فلسطين هذه الآلة التي احضرتها من لبنان الى الأردن ومن هناك الى رام الله والامر نفسه فعلته مع آلة صنع عجينة الكنافة ولكن مع الحفاظ على اصالة هذه الأصناف من الحلوى العريقة.
ويضيف: هذه الطريقة توفر الى جانب النظافة حجما موحدا وحرارة ثابته طوال عملية الخبز، والقرص ينضج فور قطعه هذه المسافة القصيرة ويسقط في مكان الجمع ليرد قليلا لمنع الالتصاق والعجن، ويحفظ ويقدم للمستهلك نضرا وساخنا بالدرجة المطلوبة
ويتابع عرفت فلسطين هذا الصنف من الحلوى المرتبط اسمه بقماش القطيفة نظرا لتشابه النسيج والملمس، مبكرا، حيث انتقلت الى مدنها العامرة، عن طريق التجار على الاغلب.
وإضافة إلى ارتباطها الوثيق بشهر رمضان الا انها في فلسطين تزين احتفالات شعبية ومواسم أخرى كان يحتفل بها منذ سنوات خلت ضمن مروث ثقافي
وتنتج القطايف في ثلاثة احجام كبيرة بقطر يصل الى 35 سم ومتوسطة وصغيرة وفي فلسطين لكل اسمه وطريقة حشوه وخبزه بعد ذلك، والحجم الأول يطلق عليه الحلوانيون اسم القطايف وهو حجم يقل الاقبال عليه
اما الحجم المتوسط وهو الدارج محليا، فيسمى الحمامي والصغير العصافيري وهي الأعلى سعرا بين اشقائها.
ويحشى الصنف الدارج عادة بالجبن الأبيض او المكسرات ويقلى في الزيت او السمن او الزبد او يشوى بها في الفرن ويسقى بالقطر، اما الصغير فيحشى بالقشطة ويزين بالمكسرات ويقدم نيئا على شكل قرطاس، بعد إضافة قليل من القطر الكثيف والبارد له.
ويقول عبد الوهاب: في البداية كانت القطايف تحشى بالمكسرات في فلسطين التي تشتهر بزراعتها وهي متوفرة في كل بيت، ويقال انه في احدى السنين ضرب فيها محصول الجوز، فاستعاض الناس عنه بالجبن في حشو هذه الحلوى، ومنذاك شاع استخدام الحشوتين وبقي حتى اليوم.
وتختلف الحشوات وتتراوح بين السكر وجوز الهند و الفستق (الفول السوداني) والفستق الحلبي والكاجو والبندق والجوز، والجبن والقشطة.. يختلف الناس فيها تبعا للرغبة والامكانيات المادية، لكن الجميع يتفقون صغارا وكبارا ميسوري او مستوري الحال، ان لا غنى عنها؟!

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock