“الوصمة”

رام الله – وفا- رامي سمارة – احتاجت مريم شديد خبزا حين اضطرت للعيش وحيدة بسبب مرضها في بلدتها علار ، ولأنها لم تكن قادرة على الخروج لشرائه؛ هاتفت أحد أقربائها ليسدي لها معروفا.

بعد ساعات قليلة، خرجت من منزلها لتجد في الباحة أمامه كيس خبز ألقي من وراء الباب الرئيسي، وأغلب الظن أن من ألقاه كان يخشى من مقابلة مريم وجها لوجه.

كان ذلك في حزيران/ يونيو الماضي، خلال فترة الحجر الصحي الذي أخضعت مريم نفسها له، بعد مغادرتها مستشفى جمعية الهلال الأحمر في مدينة طولكرم، عند التأكد من تعافيها من الإصابة بفيروس “كورونا”.

موقف لم يكن الوحيد، راكم في مريم شديد (51 عاما) شعور ا بأنها موصومة.

تذكر أيضا أنها حين غادرت المستشفى بعد عشرين يوما، احتاجت بعض الأدوية، فاتصلت بصيدلاني، وقالت له أن يرسل لها الأدوية بواسطة سيارة أجرة، فعاد لها بعد قليل بأن مكتب “التاكسي” الذي يتعامل معه رفض إيصال الأدوية، خشية من تعرض السائقين للعدوى بالفيروس.

لمريم مشروع مطبخ بيتي، تبيع ما تطهو للزبائن بناء على طلبهم، إلا أن الفترة التي تلت تعافيها شهدت ركودا كبيرا، وانخفضت المبيعات بنحو 80%، بسبب أن شرائح في المجتمع تخشى الاختلاط بالمتعافين من فيروس كورونا، خشيتها من المصابين به، كما تقول.

تلقت مريم ذات يوم اتصالا من “رقم خاص”، ظنت بادئ الأمر أنه زبون اشتهى أكلة من مطبخها، وإذ بها على الجانب الآخر سيدة تقول: “كفي عن التلاعب بأرواح الناس”، في دعوة لتوقفها عن إعداد وجبات الطعام، بداعي أنها يمكن أن تنقل الفيروس لغيرها من خلال الطهي.

مريم شديد ليست الضحية الوحيدة لحالة الوصم التي تطارد المتعافين من فيروس كورونا، هنالك الكثير من المواقف التي تعرض لها المتعافون بما يعكس عدم إدراك الكثير ين لمعنى التعافي من الفيروس.

إلياس بانو، مدرب رياضي وصاحب محل لتجارة الأدوات الرياضية ومسبح في مدينة أريحا، تحدث بشيء من السخرية عن استمرار بعض الأصدقاء والمعارف والزبائن بتجنب الاختلاط به.

ونظرا لما تعرض له من التجنب، يقول بانو متهكما: “لو كنت لصاً لما نظر البعض بهذه النظرة، وأخشى أن أتوجه العام المقبل لطلب يد فتاة ويرفضني أهلها بداعي أنني مصاب بفيروس كورونا”.

يستغرب بانو (31 عاما) من الناس الذين يقومون بتجاهله، ويعتقد أن السبب في ذلك يعود للتضخيم العالمي المتواصل للمرض وتبعاته، وفي بعض الأحيان كما يقول خوف الناس مبرر، خاصة أن العدوى أو المخالطة ستنتهي بحجر منزلي وإغلاق للمصالح وما يترتب على ذلك من خسائر مادية دون أي تعويضات.

بانو على قناعة بأن وزارة الصحة لم تدخر جهدا في مكافحة المرض وحصر المخالطين وإخضاعهم للفحوصات، وعملت أيضا على التوعية بالمخاطر المترتبة على الإصابة بالفيروس، إلا أنها كما يقول قد تكون أهملت جانبا هاما يتعلق بالبروتوكول الخاص في التعامل مع المتعافين من المرض، هذا بالإضافة إلى غياب الوعي عن المجتمع.

كيف عمل على علاج حالة الجفاء التي يتعرض لها؟ استصدر من وزارة الصحة كتاباً يؤكد أن نتيجة الفحص الذي أعقب إصابته بالفيروس كانت سلبية، وقام بالتقاط صورة له وهو يحمل الكتاب.

الأسلوب ذاته انتهى بنتائج أكثر إيجابية عند محمد الخطيب، الذي اضطر لاستصدار الكتاب لأسباب عدة منها طوعية ومنها إجبارية.

مر الخطيب (26 عاما) بمرحلة نبذ من بعض أهالي بلدته بيت ريما شمال غرب رام الله، ووجد نفسه مضطرا لطلب الكتاب الذي يؤكد أنه تعافى من فيروس كورونا، بموجب البروتوكولات المعمول بها في وزارة الصحة، ونشر صورة له على حسابه في موقع فيسبوك.

يقول محمد، “الناس كانت تخشى مني بشكل فعلي، حين كنت أخرج في محيط المنزل بعد انتهاء فترة الحجر الصحي كان واضحا أن هناك من يتعمد الابتعاد، المرض لم يكن سيئا بقدر ما أساء الناس لي. لذلك كان الحل في نشر كتاب وزارة الصحة”.

الشركة التي يعمل سائقا لديها منعته من العودة للعمل إلا بعد ذلك الكتاب.

ولمحمد قصة مع الحلاق الذي اعتاد التوجه إليه، بعد شفائه ذهب إلى الصالون فقال له الحلاق: “عد بعد عدة ساعات حتى أنتهي من الزبائن المتواجدين في المحل، وأفضل أن تتصل بي قبل عودتك”.

بعد عدة ساعات اتصل محمد بالحلاق، فما كان من الأخير إلا أنه اعتذر عن استقباله.

محمد عمران، وهو أيضا مريض تعافى من فيروس كورونا، زار 3 حلاقين في يوم واحد، ولم يستقبله أي منهم، واعتذروا وتحججوا بانشغالات مختلفة، وقناعته تقول إن الوصمة التي لاحقته بعد الشفاء هي السبب.

يقول محمد: “تعامل معي الناس على أساس أنني مصاب بكورونا إلى الأزل، وكأن ذلك عار يلتصق بالمصاب دون انفكاك”.

لم تلحق به خسائر مادية كبيرة في محل العصائر والوجبات الخفيفة الخاص به في بلدة دورا جنوب غرب الخليل، لكنه لاحظ أن العديد من الزبائن توقفوا عن ارتياد محله، رغم التزامه بالتعليمات الصادرة عن وزارة الصحة، بعد تأكيد إصابته أواخر تموز/ يوليو بفيروس كورونا.

ويرى عمران (31 عاما) أن انتشار الفيروس وازدياد أعداد المصابين في محافظة الخليل بوجه عام، لم ينطو على عامل سلبي فقط، حيث ساعد ذلك على تقليل الضغط المجتمعي، “إصابة شخص وتعافي آخر ينسي الناس الضحايا السابقين للفيروس. وبعد أن اجتاح الفيروس المحافظة صار الوصم أقل حدة وربما استيعاب الحقيقة أصبح أكبر، وانشغل الناس في همهم الشخصي والإصابات التي سجلت في أسرهم وعائلاتهم”.

الدكتورة سماح جبر، رئيس وحدة الصحة النفسية في وزارة الصحة، ترى أن اللوم والوصم سيتلاشيان مع اتساع رقعة الوباء وازدياد أعداد المصابين، وإدراك أن فيروس كورونا لم يعد مجهولا، لأن المجتمع يخاف من المجهول، فالإنسان الواعي يوفر الكثير من الجهد سواء على الصعيد الصحي أو النفسي.

وأشارت إلى عدم وجود حل علاجي يمكن تقديمه للمجتمع الواصم والمتنمر، سوى برسائل التوعية والتثقيف حول آليات الإصابة والتعافي بالشراكة بين الإدارات الصحية والنفسية في وزارة الصحة، وأضافت “الخوف هو شكل من الجهل، ويُحلّ بالتنوير والمعلومة الصحيحة”.

في أحد مراكز الحجر الصحي، حاولت سيدة الانتحار بعد أن شربت الكلور، نظرا للضغط الذي وقع عليها بفعل اللوم الشديد الذي تعرضت له من أقاربها، بداعي أنها كانت سبب نقل العدوى لهم، كما روت د. جبر.

ونبهت رئيس وحدة الصحة النفسية في وزارة الصحة، إلى أن الوصم والتنمر لا يستهدفان المصابين والمتعافين، بل يطال أيضا العاملين في مراكز الحجر الصحي من أطباء وممرضين. بعض منهم واجهوا رفضا من سائقي سيارات الأجرة بتوصيلهم إلى أماكن الحجر وقالوا لهم حرفيا “اللهم عافنا”، كما قالت.

وأوضحت أن الخطاب الإعلامي الرسمي حاول الموازنة بين التوقف عن الاستهتار والإنكار، وبين البعد عن الخوف والذعر والعجز أمام الواقع الحالي.

الشخص المعافى آمن أكثر من غير المصابين. المعافى وبعد خروجه من المرض لا ينقل العدوى ولا يصاب بها لمدة 3 أشهر حسب البيانات الطبية العالمية، بينما الشخص السليم قد يكون حاملا للفيروس ويقوم بنقله دون أن يدري.

وتحدثت د. جبر عن أهمية قيام وزارة الصحة بالمزيد من الجهد لبث الرسائل التثقيفية، من أجل طمأنة الناس وتقليل المخاوف المبالغ فيها، وللحيلولة دون انتشار عدوى الكراهية واللوم والوصم، والتي قد تكون أخطر من عدوى الإصابة بفيروس كورونا.

وينص البروتوكول المعمول به في وزارة الصحة الفلسطينية، والموصى به من منظمة الصحة العالمية، على أن يقوم كل شخص تثبت إصابته بعدوى فيروس كورونا بحجر نفسه لمدة 10 أيام إذا لم تظهر عليه أيه أعراض، و3 أيام إضافية لمن ظهرت عليهم أعراض المرض كالحرارة والسعال دون الاستعانة بالأدوية والمسكنات.

ولا يتطلب إعلان شفاء المصاب بفيروس كورونا إخضاعه لفحص جديد، حيث تبين أن الفيروس يبقى في الجسم ولكن لا يمكن له أن يعدي الآخرين، مع التأكيد على ضرورة التقيد بالتعليمات الخاصة بارتداء الكمامة والتباعد الجسدي عن الآخرين، حسب منظمة الصحة العالمية.

يتفق من تعرضوا للوصم أن الضغوطات على وزارة الصحة وطواقهما هائلة، ولا يمكن لومهم على التقصير في مرحلة ما بعد الشفاء، ولكن ذلك لا يعفي الوزارة من إصدار التعليمات الخاصة بالتعامل مع المتعافين من فيروس كورونا، في إطار حملة على المستوى الوطني.

ولو أن الخوف من التعامل مع المتعافين يقابل بقدر من الخوف من الإصابة بالمرض لكانت فلسطين خالية من أية إصابات. الحذر واجب ولكن التوعية أوجب.

%d مدونون معجبون بهذه: