هآرتس: ميري ريغف ليست شرقية

نائل موسى
نائل موسى 15 مارس، 2016
Updated 2016/03/15 at 7:39 مساءً

 

18e11

بقلم: دمتري شومسكي

الشرقيون الاوائل في تاريخ الصهيونية كانوا يهود اوروبا الشرقية. اخوتهم في غرب القارة ووسطها ألصقوا بهم صورة مستخفة قربتهم من يهود الدول الاسلامية في الحوار الاشكنازي الاسرائيلي. ما بعد الصهاينة من شرق اوروبا كانوا يدركون التصنيف الغربي وبدأوا في رؤية مصطلح “الشرق” كشعار لمعركة من اجل القومية اليهودية. وشعوب ذلك “الشرق” تحارب الكولونيالية الغربية من اجل حريتها جنبا الى جنب مع اليهود.

من الصعب تصديق ذلك الآن، لكن هذه كانت قناعة دافيد بن غوريون الشاب دخول تركيا العثمانية الى الحرب العالمية الاولى. ففي أحد مقالاته المنسية بعنوان “مسألة الشرق” (1914) أظهر تخوفه العميق مما هو متوقع لشعوب الشرق، بما في ذلك يهود اليشوف الصهيوني في ارض اسرائيل، نتيجة لانتصار محتمل لقوى التحالف. ولكن عندما تلاشت المخاوف وقطفت الحركة الصهيونية ثمار الانتصار الغربي في الحرب على صورة وعد بلفور والمصادقة على الانتداب البريطاني، انتقل لاسماع نغمات ناسبت واندمجت مع مرور الوقت مع الغرب الذي كان ايضا صاحب السيطرة العليا البيضاء في اسرائيل.

يمكن القول إنه مثل بن غوريون الشاب والمنتقد لتعالي الغرب على الشرق، هكذا ايضا ميري ريغف قبل دخولها الى السياسة – كما قال قبل فترة قصيرة دانيال بن سيمون (“تراجيديا مغربية”، “هآرتس”، 19/2). حيث كانت بعيدة عن المواقف العنصرية تجاه “الآخر” وكانت ملتصقة ببقايا الاعتدال الذي ميز يهود الشرق قبل مجيئهم الى اسرائيل. ولكن عندما أصبحت ريغف من أبرز متحدثي المؤسسة القومية المتطرفة المسيطرة للدولة الكولونيالية، التي تسيطر منذ يوبيل من السنين على السكان الفلسطينيين من مواليد الشرق، لم تعد هناك أي صلة بينها وبين الشرقية. مثلما لا يوجد قاسم مشترك في المواقف بين رئيس الحكومة الاول وبي ذلك الشاب الذي كان يعتبر الصهيونية جزءًا من تحرر شعوب الشرق.

مثلما أن اليسار ليس هوية بل فكرة فان “الشرقية” ليست (فقط) أصل، بل هي قبل كل شيء قناعة وموقف. موقف مناهض للكولونيالية قلبا وقالبا. القناعة التي تضعضع التقسيم الكاذب بين الغرب المتطور والمتنور والعقلاني وبين الشرق المظلم والبربري الذي يحتاج الى التوجيه والسيطرة عليه. لذلك فان الشركاء الاساسيين في قمع الشعب العربي – الشرقي – الفلسطيني لا يمكنهم، وليس من حقهم، أن يكونوا شرقيين كتصنيف سياسي. حتى لو كانت أسماءهم ميري أو سيبوني أو آريه مخلوف درعي أو موشيه كحلون.

من المحزن قراءة ما كتبته ميراف ألوش لبرون (“هآرتس”، 10/3)، التي تحاول تنصيب ريغف كمحاربة شرقية من اجل المساواة ضد السيطرة الغربية. ومن اجل المقهورين في المحيط الذين يعانون من التمييز لأنهم شرقيين. فهل ألوش لبرون لا تعرف أنها بتأييدها ريغف فانها تؤيد سلب الحقوق المدنية والقومية من الشرقيين الفلسطينيين، الامر الذي تساهم فيه ريغف بشكل كبير وإن كان بطريقة غير مباشرة. إلا أن ذلك يعزز سيطرة غير الشرقيين واقصاء الشرقيين اليهود. حسب رأيها، كيف يمكن للثقافة اليهودية العربية أن تزدهر في دولة تقوم باسكات اصوات المتاحف؟ ألا ترى أن لهجة ريغف ضد اللاجئين السودانيين قبل اربع سنوات هي نسخة دقيقة للعنصرية الاوروبية على شكلها الاسرائيلي، والبعيدة كل البعد عن المفاهيم اليهودية العربية؟.

إن الشرقية الديمقراطية المعادية للكولونيالية هي موقف سياسي قديم في اسرائيل. وجذورها مغروسة عميقا في التاريخ الحديث ليهود ارض اسرائيل – بدءً بالصهاينة العرب شمعون مويال (1866 – 1915) ونسيم ملول (1892 – 1959) اللذان أيدا المساواة القومية بين جميع أبناء شعوب الامبريالية العثمانية، ومرورا بالناشط الجماهيري المثقف السفارادي المقدسي الياهو أليسار (1899 – 1981) الذي كان من رواد فكرة التعددية الثقافية في اسرائيل ومن اوائل مؤيدي المساواة القومية بين اليهود والفلسطينيين بين النهر والبحر، وانتهاء بالفهود السود الذين تمردوا ضد التمييز العرقي في الدولة. فكرة الشرقية والديمقراطية لا تحتاج الى شرقيين وهميين مؤيدي الكولونيالية الاسرائيلية حتى لو كان المقصود ساسة اسرائيليين رفيعي المستوى. بل العكس، الشرقيين الديمقراطيين قادرين على التنصل من الشرقيين الوهميين بسهولة والتفكير بجدية في الانتظام السياسي الذاتي.

في المقابل، ريغف، مخلوف درعي وقائمة طويلة من القوميين اليهود المتطرفين والكولونياليين من أصل شرقي الذين لا تربطهم أي صلة بالحوار الشرقي الانساني، يحتاجون بين فينة واخرى الى مصادقة النخبة الثقافية للشرقيين الديمقراطيين. بهذه الطريقة سيظهرون مرة وراء الاخرى. رغم أنهم في السلطة منذ سنوات، كمحاربين ضد النخب ومؤيدين للمساواة ويجندون المزيد من المصوتين لاحزابهم القومية المتطرفة التي تسعى الى الحفاظ على نظام الامتيازات العنصري المركزي في اسرائيل/ فلسطين. من المؤسف أن بعض المثقفين الشرقيين الديمقراطيين على استعداد لاعطاء هؤلاء الشرقيين الوهميين البضاعة المطلوبة.

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *