لغة ميتة

Nael Musa
Nael Musa 14 ديسمبر، 2015
Updated 2015/12/14 at 8:23 مساءً

p427958هآرتس
بقلم: دمتري شومسكي
من المعروف أن هرتسل لم يكن من اولئك الذين يؤيدون إحياء اللغة العبرية. هرتسل كتب في مذكراته في تاريخ 23 شباط 1896 “اذا أقمنا دولة عبرية جديدة فستكون بمثابة يونان جديدة. ولكن اذا لم ننغلق في غيتو لغوي، فان العالم كله سيكون في أيدينا”. وكمن نشأ في أحضان الثقافة الامبريالية النمساوية الالمانية واستمر في ولائه لها حتى بعد اقامة الحركة الصهيونية، اعتبر هرتسل أن تبني لغة القوى العظمى، لا سيما الالمانية، هو الطريقة الأمثل من الناحية الثقافية التي يجب أن تسلكها الحركة الصهيونية من اجل الشعب اليهودي في العالم المتحضر. بهذه الطريقة ستتخلص دولة اليهود من خطر الانفصال الثقافي الذي عانت منه قوميات صغيرة مصممة على الحديث بلغات غير مفهومة من قبل “أبناء الحضارة”.
هرتسل كان مخطئا. لو قامت الدولة اليهودية في أيامه وحسب حلمه اللغوي الثقافي الامبريالي الالماني النمساوي، لكانت الثقافة اليهودية في ارض اسرائيل ستتحول الى هامش الهوامش في العالم الثقافي الذي كان مركزه فيينا وبرلين. في هذه الحالة كانت ستتحقق مخاوف مؤسس الصهيونية السياسية فيما يتعلق بمكانة الثقافة في الدولة اليهودية قياسا بالثقافات السائدة، حيث أن الثقافة اليهودية الالمانية التي أمل هرتسل من أعماق قلبه أن تستمر في ارض اسرائيل، كانت ستكون متعلقة دائما بأنماط ثقافية مأخوذة بعيدا عن محيطها الجديد.
في المقابل، بناء الثقافة العبرية الحديثة في الدولة الاسرائيلية – أحد الانجازات المميزة للقومية الصهيونية – هو الذي يسمح للشعب اليهودي الاسرائيلي في أن يساهم مساهمته الخاصة والمستقلة في الابداعات الروحانية الانسانية. لكن اذا حاكمنا الوضع في الوقت الحالي حسب الانماط السائدة في الاكاديمية، فيبدو أننا نوجد في بداية أو في ذروة الثورة الثقافية الهادئة التي من شأنها أن تقضي وبشكل تدريجي على مجالات معرفة كاملة باللغة العبرية. وبهذا يتم هدم أحد أهم أعمدة المبنى الفاخر.
الفكرة التي يتعرض لها اعضاء السلك الاكاديمي في السنوات الاخيرة في معاهد العلوم الانسانية – فكرة لا يوجد من ورائها عنوان واضح، لكنها تطل من النوافذ العالية – هي أن بذل الجهود في الابحاث الاكاديمية باللغة العبرية هو اضاعة للوقت. والابحاث المنشورة باللغة العبرية لا تساهم في تقدم أصحابها، ليس فقط الابحاث في العلوم الانسانية بل ايضا الابحاث في العلوم اليهودية.
اذا كان هناك تفكير حتى ما قبل فترة قصيرة أن الابحاث باللغة العبرية حول تاريخ شعب اسرائيل قد تمنح الباحثين التقدير المطلوب وترجمة اعمالهم، فان وزن بحث كهذا هو هامشي في الوقت الحالي. وهذا بسبب اللغة – العبرية – التي يُكتب بها والتي تعتبر هامشية لأنها غير منتشرة في الاوساط العالمية.
ليس من الصعب توقع نتيجة هذه التحولات كلما اكتشف الباحثون في الاكاديميا أنهم لن يستفيدوا ولن يتقدموا لأن القراء لا يقرأون ما يكتبونه باللغة العبرية، فانهم سيتجهون أكثر فأكثر الى الكتابة بلغة غير العبرية، حتى لو كان مجال اهتمامهم هو الثقافة اليهودية. واللغة العبرية كلغة الانتاج الابداعي التي نشأت في اسرائيل مع القومية الجديدة، ستخلي مكانها رويدا رويدا للانجليزية الامريكية وتتحول الى لغة الحديث والبرامج الواقعية. أما المثقفون الاسرائيليون فسيشبهون من الناحية الثقافية عدد من المثقفين اليهود فيما قبل الصهيونية في بداية العصر الحديث الذين أخذوا من الثقافات الامبريالية وتوقعوا أن يتم احترام مساهماتهم في الحضارة الانسانية.
يمكن أن تطورات كهذه لا تقلق وزير التربية والتعليم الحالي. في نهاية المطاف فان مشروع الاستيطان القومي الديني لا يحتاج الى الثقافة العبرية العلمانية. بل العكس، من يفتح “الحقيقة من ارض اسرائيل” لـ آحاد هعام سيكتشف، لا سمح الله، أن العرب هم أبناء الانسانية الذين لا يقلون عن اليهود والاوروبيين، وقد يفهم لماذا لم يكن يوسي سريد فعليا “مقتلع اسرائيل وتأكله الكراهية الذاتية”، بل هو ينتمي للارث الفاخر للانتقاد الذاتي القومي بكل معنى الكلمة الموجود عميقا في اللغة العبرية المتحضرة.
لكن في نظر المسيحانيين ما بعد الصهاينة “البيت اليهودي”، فان معالم اندثار الابداع في الابحاث العبرية ما هي إلا شوكة في المؤخرة من ناحية مستقبل الهوية القومية للمجتمع الاسرائيلي، والحديث لا يقل عن خطر الانتحار الثقافي. هل يمكن أن الجهات المهنية في مؤسسات التعليم العالي في اسرائيل التي تعارض الغاء قيمة اللغة العبرية كلغة الكتابة الاساسية الاكاديمية، لا تدرك الخطر ومغزاه وحجم المسؤولية القومية الملقاة على عاتقها.

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *