قراءة في رواية الكاتب المتوكل طه “نساء أويا” ..

Nael Musa
Nael Musa 9 يونيو، 2015
Updated 2015/06/09 at 7:39 مساءً

IMG_2717
fقلم: سماح فارس صلاح الدين

في روايته الجديدة “نساء أويا”، الصادرة عن دار الشروق رام الله/ فلسطين، والأردن 2014م
اتخذ الكاتب المتوكل طة المرأة الليبية أنموذجا، لم تخفه مائتين وأربع وعشرين صفحة من القطع المتوسط وذلك لمشاركتها الفعالة في مقاومة النظام فاعتصام 17 فبراير 2011، في مدينة ينغازي كان يوم الغضب، وبداية الثورة الليبية ، يوم اعتصمت أمهات المعتقلين في سجن بوسليم أمام المحكمة المركزية كل يوم سبت، وعلى مدى أربعة أعوام، طالبن بالكشف عن مصير أبنائهن الذين تم قتلهم في مذبحة السجن، وعملت النساء بجد كي يكون لهن دور إلى الجمعية التأسيسية الجديدة بعد مشاركتهن الفاعلة في الثورة ومحاولة إيجاد الحياة الديمقراطية في بلدهن، وخوفاً من هضم حقوقهن، وعدم تمثيلهن بشكل كاف في الدستور، ودخولهن الانتخابات، ومشاركتهن في بناء المؤسسات في المجتمع المدني الليبي.
وقد أسست منظمات نسائية منها: هيئة دعم مشاركة المرأة في صنع القرار، فنزلن إلى الشوارع لإثبات وجودهن في الثورات لتغيير وجهة العالم العربي في ظاهرة يأمل مراقبون أن تكون مقدمة لمشاركتهن الفاعلة في المستقبل في القيادة السياسية للديمقراطيات الناشئة.
وتحولهن من المشاركة في المجال العام الثوري إلى المشاركة داخل المؤسسات المختصة بصنع القرار السياسي، فتريد المرأة في ظل “الربيع العربي” في البلدان التي اندلعت فيها الثورة تجاوز مرحلة المشاركة الجماهيرية في الثورات إلى العمل المؤسسي لأنها لا زالت تعاني من عدم التمثيل الجيد في الأحزاب.

أسلوب الكاتب
اعتمد الكاتب في روايته على أسلوب القصة والحدث الدرامي بطريقة شائعة
وللرواية فنتازيا إذا أسقط الخيال على الواقع واختلق أحداثاً شبيه بالواقع ولكن في نسيج خيالي تتحكم فيه قوانين وأعراف فجسّد منطق يلاءم السرد التفصيلي لحياة أخرى بمنظور إنساني واجتماعي وسياسي وثقافي فاضت بها حكايات الرمل المفاجئة.
ولم يوجد في كتابته ما يمنعه من اقتحام موضوعات السياسة أو الجنس وقد سالت الأشكال الأدبية على بعضها البعض بتناغم لتقيم عالماً مخيفاً أو (كالمذبحة)، ومغرياً مثل امرأة تخرج من النهر.
نوع الكاتب في اساليبه حيث اعتمد أسلوب القصص والسرد والشعر.
.. من هناك كتب سفير دولة فلسطين المتوكل طه روايته، نساء أويا اسم تاريخي تحمله لمدينة طرابلس العاصمة الليبية، فجاءت تسمية مدينة طرابلس تحريف لكلمة (تري بيلوس) تري (ثلاثة) بيلوس (مدن)، ثلاثة مدن وهي (صبراته) (سبارتا) (أويا).
بدأت الرواية على لسان عرافة الرمل، فقد رافق الكاتب عرافة الرمل طوال زمن الرواية من أجل التنبؤ بحقيقة المرأة إذ يصعب فهم نفسيتها وفك شيفرتها وكنهها إلا بالاقتراب منها وكل هذا إشارة لمعرفة الحقائق التاريخية وتقصيها ليتم البناء عليها فقال “هل أستطيع الآن أن أرى المشهد الليبي أفضل وأنا في فلسطين بل هل اقدر على ان أفهم من هي مليكة وانا على بعد آلاف الأميال، ص195.
وبدأ السرد لقصص النساء من خلال عنونة فصول الرواية بالحفنات الترابية، وما كان من عرافة الرمل هو القبض على حفنة لسيرة امرأة فتذروها في الهواء وتقرأ ما حدث لصاحبة هذه الحفنة وهكذا في كل فصول الرواية فسردت روايته الخمسة وعشرين امرأة بقراءة رمل تفاصيل حياة الخمس والعشرين امرأة بما وقعت عليه يد العرافة لتروي مأساة كل امرأة من النساء الخمسة والعشرين، باستنطاق امرأة تلو الأخرى لتدون صفحات الرواية بوثائق وشهادات تبين الظلم الواقع على المرأة ولتغيير النظرة التي كونها الرجل عنها ولإعطاء صورة للمرأة “النموذج” باستقصاء الماضي والبناء عليه فغطى الكاتب أكثر من ثلاثة آلاف عام مبيناً واقعها ومدى شهادة التاريخ لها بإنجازاتها العديدة.
فكان موضوع المتوكل (جمع النساء في إمرأة واحدة) فصاغ روايته بطريقة درامية شائقة فمثلت الرواية امرأة نادرة من نوعها غير موجود صنفها إلاّ في عالم الخيال والوهم.
لديها القدرة على استشراف المستقبل وقراءة ما كتب على رمل الغيب، فقال: “يا لها من امرأة كأنها عرافتي التي تقص أحلامي على لسانها، أو أنني مرآتها التي ترى وجهها على صفحة وجهي، ص195” وتبدو أحداث الرواية مصرية فرعونية فرغم مكانة المرأة ودورها خلال الأزمنة السابقة إلا أنها وسيلة للابتزاز والتدنيس والإكراه والاغتصاب.
بدءاً من عملية التصفيح في الرواية وجز ضفائر لذتها خوفاً من الفاحشة، ص152 إلى عمليات تعقيم الرجال حتى يخدموا في القصر، ص147 فتلجأ إلى الفاحشة لقلة المجيء والمعاشرة الزوجية.
وتزوج رغماً عن أنفها وتغتصب ولم تدر كيف، ص118، ص119 وتسلب المرأة وتصبح جارية أو أمة أو زوجة وتحمل وتنجب دون أن تعرف طفلها كما يريد الزعيم.
وتعاشر مع أكثر من امرأة في آن واحد، فيما يسمّى (مجتمع الحريم)، ص103 وتم الجمع بين المرأة وزوجة أخيها (المذبوح) والمفجع لمليكه أن زوجة أخيها تنسى تماماً زوجها وكأنها لم تدخل سوى عالم شاقي، ص110.
وهي المرأة المزواج إذ تزوج رغم رملتها وحسرتها على زوجها فتقول “ملكاتِ”: لم يات أبي ليأخذني إلى بيته كأنه يريدني أن أبقي مع حماتي الثاكل الضريرة، أقاسمها الدمع والحسرات، وأقوم على شأنها، ص128

وروت “ملاك” قصة زواجها من فتوحة فقام عمها بتزويجها دون أي مقدمات ولا أثر لفرح أو عرس أو خَلْق أو أقارب ولم يقم زوجها بشأنها كزوجة فحرقت البيت عن آخره وحطمت سياراته الأثيرة وأحرقتها وأشعلت النار في المزرعة.
وزُجّت في السجن إلى أن احتالت على زوجها فتوحة أثناء زيارتها فدخلت عليه في غرفة حلومة وغرزت النصل في عنقه، ص165 كل ذلك صور قدمها الراوي لبيان حقيقة المرأة، وأنها شخصية مزدوجة، تجمع بين السلب والإيجاب فتقلب في الفكرة والعاطفة ويظهر ذلك واضحاً في فصول الرواية فقد أعطى الكاتب نماذج عدة جمعت صفات المرأة ومن هذه النماذج أيضاً حكاية العجوز العمشاء فهي التي هتكت الأرحام وأماتت الحقول والأغصان، وكادت المدينة تقضي جوعاً وعطشاً مما اقترفته.
فظهرت شدة أمومتها بجنونها حين أخذ “مالك” ابنها إلى التعقيم ليخدم في القصر فقامت بنفث سموم الأفاعي في خزان القصر، ص145، ص146 ورغم أن المرأة ككائن بيولوجي تولد الحياة وتربي الأطفال ففي حالة الحرب تشن غارات من السلام فسرعان ما تتقلب العاطفة عندها.
ولن تعرف حقيقتها إلا بالاقتراب منها ففي روايته قال: “لكنك لن تعرف كُنهي أو من أكون إلا بمقدار ما سأكشفه لك، وقد تعرفني أكثر وأكثر كلما أنصت إليّ بصمت وتأملت حروفي، التي تُسمع وتُرى، ص33.
وفي موضع آخر من روايته (…. بعث عن الحق ولا تُفن عمرك بالجري وراء الحقيقة، لأن الحقيقة مهما بدت قريبة فهي مخاتلة تتقلب من بين الأصابع مثل ذرات الرمل وتتقلب على ألف لون وهيئة، ص48.
وأما الفكرة الأخرى التي ضمتها الرواية فهي قوة هيئة المرأة السياسية فقد تجمع إلى جانب هذه الخصائص القوة السياسية والتي تكمن في معرفتها بحقوقها فلها أن تمارس جميع حقوقها في اختيار الشريك ومحاججة الناس ولها دراسة السياسة وتولي جميع المناصب السياسية دون ضغط عليها وذلك بحملها فكرة تؤمن بها وتتعايش معها وتجد لها قاعدة تنطلق منها ويحترمها المجتمع.

فهي تابعة للرجل ضمن مؤسسة لتحركاتهم.
وقد أعطى الكاتب “نماذج” عدة يشهد للمرأة بقوتها ودورها السياسي في الثورات فهذا ما أملته حبات تراب الحفنة السابعة
فقامت “مملوكة” بإنقاذ زوجها ضاحي من سجن الباشا بعد أن طالبت برؤيته في السجن وقد استطاعت أن تضع منشاراً صغيراً داخل الأرغفة فكان ذلك وسيلة ضاحي لجز قضبان النافذة الحديد دون أن ينتبه الحراس إلى ذلك، فخلع النافذة وهبط منها إلى الأرض مستخدماً بذلك ربط الأغطية، ص122، ص123.
وتظهر قوتها السياسية حين حُوصرت غرناطة رغم الجوع واليأس والخوف فما كان من زوجها أبي عبد الله أن فكر بالاستسلام بتوقيعه معاهدة من أهم بنودها تسليم المدينة خلال شهرين وتوقيعه على بيع أثاثه وممتلكاته مع ملكي قشتالة وسرعان ما طرده القشتاليون من (أندراش) قبل استقراره فيها فتوسل إلى حاكم فاس إذ سمح له بالمجيء إليها.
وسقطت مدينة غرناطة وسقوطها نهاية التاريخ العربي الإسلامي وإنهاء الحضارة الإسلامية في الأندلس ولعل وزيري أبي عبد الله هما اللذان فاوضا القشتاليين على تسليم المدينة، ص167.
وما كان من أهل فاس إلا النظر إليهم باعتبارهم باعة الأندلس ومرت السنوات ولفظ زوجها آخر أنفاسه وأخذ الإسبان يتبعونهم إلى أن أخذت الساطور وقررت الثأر للحمراء والشهداء إذ أخذوا يستبيحون الأعراض والبيوت ظلت شهراً تشحذ الساطور بالزيت والحجر حتى أصبح يشر ناراً فلم تصب سوى رأس إسباني واحد انفلت أمامها مثل بطيخة ناضجة قبل أن يتصدى إليها الجنود الآخرين، ص170.
وربما يريد الكاتب من روايته التحذير من المرأة ببيان لصورتها (المزدوجة) فقد أعطى نماذج عدة ليظهر لنا أن المرأة قيمة وتراث وحضارة.
فهو يتمنى أن يرى هذه المرأة النموذج التي يريد لذا رافق عرافة الرمل ليكون قريباً منها لكشف صورتها.
إذ يتمنى أن تكون (المرأة النموذج) مُلهمة لديها خبرة ومعرفة بالتاريخ والأحداث لذا كان الحوار على لسان عرافة لأن لديهم القدرة على استشراف المستقبل وتوقعه فهو يتوقع أن يلتقي هذه المرأة النموذج التي تجمع جميع الصفات.
وظهر ذلك جلياً حين قال: “وأعرف أن الزواج ليس رومانسياً بالضرورة لهذا خُلق الشعر”.
ولعلّ الرواية كانت على لسان عرافة رافقها طوال أزمنة الرواية فلا تعلم تفاصيل وحياة المرأة وحقيقتها غلا بالاقتراب منها فهي واضحة إلا من الحقيقة فقال في موضع آخر من روايته:
“هل أستطيع الآن أن أرى المشهد الليبي أفضل وأنا في فلسطين؟”
بل هل أقدر على أن أفهم مَنْ هي مليكة وأنا على بد آلاف الأميال منها؟ يا لها من امرأة! كأنها عَرّافتي التي تقص أحلامي على لسانها، أو أنني مرآتها التي ترى وجهها على صفحة وجهي”، ص195.
وكأن الكاتب خلال أزمنة الرواية يريد أن يعرض لدور المرأة في كشف الحقائق من خراب وتقتيل فحين زيارتها السجن فلم يأتي الحاكم أحداً غيرها فبعث معها صندوقاً صغيراً لتسلمه سريعاً إلى مسؤول السجن “عنوز” فأخذت تتأمل السجن وما فيه من حيطان وأعمدة منمقة وتمتمات وتساءلت كيف جعل سجناً؟! إلى أن وصلت إلى حقيقة وجود طابق أرضي من سؤال الجندي للمسؤول وبذلك أفشى سراً فتحرت حقيقة هذا الطابق إلى أن وصلت بأنه قاعة للأموات الميؤوس من حالتهم والذين رفضوا التعاون مع القائد أو نائبه، ص133 إلى أن تكشفت الحقائق بامتلاء السجن من المعذبين وتم إلقائهم في الحفر الامتصاصية وامتلائه ثانية بالمعذبين شنقاً وصلباً وتجويعاً وتعليقاً واغتصاباً. وإلقائهم في غرف خانقة فاسدة الهواء مليئة بالمخاط والقاذورات والدم إلى أن حل مرض الطاعون، ص135.
وأثناء معالجتهم للأمر بحفر خندق وإلقاء القار فيه تبين وجود (سرداب كبير) يمكن لفئران الطاعون عبوره وتم حرق كل شيء فيه وصولاً إلى إخلاء القصر من موجوداته وتم أثناء ذلك اكتشاف عشرات الصناديق المثقلة بالذهب، ص137 وتحت هذه الصناديق قبراً جماعياً يحتوي هياكل عظمية.
واختلاق الكاتب لسرد قصة الساحر (كومال) الذي أذكى فضول (مليكة) لفتح خزائن مكتبة القصر لقراءة ما فيها من كنوز لأنها الوصيفة الأولى التي تدخل كل غرف القصر دون استئذان، ص138.
“وتقول بأنه هو الذي أيقظني من غفلتي، وجعلني أعي اللحظة الزمنية التي أعيشها، وأتبين موقعها من التاريخ لأفهم مجريات الأمور وكيف تسير الدنيا”، ص139.
فطلب منها أن تبحث في مكتبة القصر عن الأسفار التي وجدوا قبل حوالي قرنين وثلاثة، وأهمها سفر أخنوخ أو رسالة أخنوخ وسفر طوبيا وكتاب الحراس وكتاب الأمثال وكتاب الحكماء، وأن أخبئها، حتى لا يأتي شيشرون والرومان، ويحرقوا “لبتس” كما أحرقت حروبهم اليونية تاج المدن قرطاجة”، ص139، فهذا يؤكد قدرة العرافة ليس بمعرفتها وإلهامها بمعرفة ما حدث بل تقوم على تنقية الحقائق ليس فقط بالسماع بل بالتأكيد بالسؤال لمن عاش في تلك الفترة الزمنية، لأن الحقيقة تنثال كما ينثال التراب من بين الأصابع.

هذا ما أراده المتوكل طه في روايته جمع النساء في امرأة واحدة.
اضطهاد فيريدها فاتنة، ومجنونة، وغاوية، وقديسة، وطاهرة، فقال على لسان عرافته: “تورطت في الحب، وانغمست في ملح الشهوة، وحملت قلبي راكعة للجليل الواسع ليحمل عني أوزاري البريئة…”، ص10.
وأنا صحن العسل المالح، والحامض الحلو، المرغوبة المتروكة، المطفأة المشتعلة، واجبة الوجود في كل العصور التي وأدوها، فقامت كالنبي الشاب من موته.
والتي جزوا بشفرات الغلظة ضفائر لذتها، وطالبوها بمد بساطها المذبوغ ليتمرغوا في مسكب الورد، ص12
“لن أتبدل بقدر ما أكرهتني الدنيا على ممرات إجبارية، ص12.
“كل النساء أنا، بدءاً من حواء المقدودة من كتف الضعيف مروراً بصاحبة الخطيئة وغاوية النبي، وصولاً إلى التي يقطعون حبلها السري الآن، ص16، وأنا المتبتلة الأولى والرسولة القدّيسة، التي ابتنى لها ربها بيتاً في الجنة………”، ص17.
“وأنا القادرة الجديرة بقراءة التراب، الذي أراه أبيضاً كنوايا الأنقياء، فكل حفنة من رمل أو طين هي أنا التي مضت، ص17.
وقال: “الآن استذكر قصص نساء مليكة واحدة واحدة، وأستمتع بطريقتها عندما تتقمص سيرة إحداهن وتسردها، كأنها هي! إذ تعطي الكلمات نغمة تنسجم مع الموقف الذي تحمله، وتشحن المعنى بلغتها الجسدية، من تعابير وإشارات وحركات، وأكاد أقول إن ملكية هي كل تلك النساء اللواتي انتقلت روح أقدمهن لتحل في التي ولدت، بعدها وهكذا… وإلا كيف عرفت تفاصيل حياة كل واحدة، وأحسست بإحساسها، وحازت على ذاكرتها وحكت ما جرى معها بكل أعصابها واندفاعاتها وحزنها أو صورها، ص190.
وقال: “إن نساء مليكة هن مليكة نفسها التي انبعثت تباعاً لتكون الشاهدة الشهيدة ولتسجل بحواسها ما لفحها من نار وهبوب قارس، ص190.
قدم الكاتب في كل حفنة رملية من حفنات الرواية وصفاً وصورة للمرأة بتغطية ثلاثة آلاف عام مبيناً أن من خصائصها الجمع بين الإيجاب والسلب، فشخصيتها في “ازدواج” وتتقلب في الفكرة والعاطفة ولها دور في الثورات فتكمن قوتها السياسية في المطالبة بحقوقها فقد تسلك وسائل عدة للوصول إلى مآربها، والتاريخ يشهد لها بأنها شريكة في الإنجاز إلى جانب الرجل.
فاستدعاء التاريخ والنص المقدس والموروث الشعبي وربط الماضي بالحاضر يعطي وصفاً وصورة تُجمع فيها النساء في امرأة واحدة، لتكون أنموذجاً يقتدي به، ولمعرفتها بحقوقها التي منحها إياها رب العالمين.
ودراسة سير الصحابيات وتمثل شخصياتهن بتغليب جانب الخير على الشر لمن أدرك سر وجوده وعلم أنه خلق من أجل أن يتم العمل في الأرض.
وأقول: بأن المرأة مجال مفتوح حَيّر العلماء والدارسين لأنها تحمل عدة قراءات وليست قراءة واحدة “فهي جسد، وقول، وفعل”، وهي ميدان رحب لممارسة سلطة الأعراف والتقاليد والشرائع، هذا عدا عن استخدامها للحصول على اللذة الجنسية ولذة الإحساس بالتفوق ومن هنا كانت صورة المرأة في أذهاننا نحن العرب صورة متناقضة ومزدوجة، فهي إنسان مرغوب وغير مرغوب، نهابه ونتوق إليه، ندنسه ونقدسه في آن…
وبما أن الرواية التي بين أيدينا محاولة أولية لاقتحام مجال المرأة وتحديد مكونات صورتها، فيجب علينا استقصاء واستدعاء جميع النماذج التاريخية والدينية لنرسم صورة قياسية للمرأة (النموذج) لنحافظ على ثباتها واستمراريتها في الواقع المعاصر وليتبين لنا مدى اقتراب صورة المرأة في الكتابات المعاصرة أو ابتعادها عن الصورة النموذجية.
وظهر ذلك حين قال: “… أو من احصنت فرجها لتكون نموذجاً للمطلق لعل النساء يقتربن من بياضها الرسولي، أو تلك الأسماء ممن حملن التيجان بالإغواء أو النهاية التراجيدية المذهلة، ص191
ويبدو في فصول الرواية دور المرأة بارزاً في الثورات وفي كشف الحقائق والخراب فلم تعترف رغم التهديد بالاغتصاب وقتل زوجها عما قاله زوجها عن تلك الصناديق الحديدية المحكمة الثقيلة المليئة بالذهب، ص171.
وما كان منها أثناء التحقيق إلا أن شربت كاساً ينتظرها مليئاً بالسم فتناولته وكأنها تتحداه فكرعته عن آخره.
ورغم عاطفتها تجاه أبنائها أقوى من ألم التعذيب والتهديد، ص173 وتظهر شجاعتها في مقاومتها للاغتصاب حين مطالبتها بفك أسر والدها الذي عذب من صهيون مهاجراً إلى طرابلس.
فقالت: “لعلي صرخت قبل أن يهوى على رأسي بشيء ثقيل تحطم” كأني سمعته يأمر أحدهم بأن يحرق البيت.
واستأنفت “لا أدري لماذا حضرت تلك الجملة التي كانت مدرسة اللغة العربية تكررها أمامنا في المدرسة: القمر ينثر النور، والكلب ينبح عليه، أيّ أخطأ أو إساءة أو نقيصة في القمر؟ هذا شأن الكلب.”، ص175.

خلاصة
إن هذه الرواية على طولها والرموز التي فيها والأحاجي والألغاز إلا أنها تدور حول (المرأة) في اتجاهين اثنين وفي آن واحد الاتجاه الأول: يدور حول المرأة السلبية القديمة التي كانت مستعبدة من قبل السلطان وحاشيته فيما يسمى (مجتمع الحريم) حيث تهان كرامة المرأة فلا تستطيع أن تعبر عن نفسها، أو تُفصح عن رأيها وهي مكبوتة.
والنوع الثاني: من النساء هي المرأة الحديثة التي تشق طريقها نحو الحرية والحداثة والكرامة والسعادة في المجتمع الحديث الذي يوفر لها كل ذلك.
ويتخذ الشاعر من انطلاق النساء الليبيات في حادثة ما يُسمّى (بسجن بوسليم) البداية لثورة النساء على الظلم والاستعباد.
فيحسن الأداء
ويحشد الشاعر لهذه الفكرة نماذج متعددة من النساء ومنها أم أبي عبد الله الصغر آخر الحكام العرب والمسلمين، في غرناطة أخر مملكة في الأندلس تلك المرأة العملاقة التي ما استكانت للظلم وجردت ساطوراً وضربت رأس أحد الإسبان فقد شجّت رأسه، وكأن الأديب المتوكل طه يريد أن يقول: “إن المرأة يجب أن تكون قوية في شخصيتها عزيزة في ذاتها نفسيتها” تأبى الظلم وترفض الاستكانة والخضوع.

خلاصة
إن الأديب الشاعر المتوكل طه قد أبدع في هذه الرواية إبداعاً عظيماً حيث شرّق وغرب وشمَّل وجنب دائراً حول المرأة في إيجابيتها وسلبيتها راسماً لها صورة مشرقة تريح القلب وتسلب اللب (وتُجنّح) بالمرأة رافعاً المرأة إلى عنان السماء فكأنه يقول لها يا بنت حواء يا بنت ماء السماء قومي ولا تنامي فقد تحرك كل ما في الوجود هذه الأيام حتى الحجر، أن انهضي من سباتك فلا مكان لنائم في هذه الأيام على هذا الكوكب.
وأن الكاتبة بعد قراءة معمّقة للرواية ترى أن هذه الرواية تستحق التمثيل ليطلع عليها الناس ولِتُحدث نهضة في النساء حتى يتمسكن بحقوقهن ولا يَبْقين مُهمَّشات على هامش الحياة. فقد آن للمرأة أن تنهض وأن تأخذ دورها في الحياة كما أراد الله لها ذلك والمرأة التي تهز السرير بيمينها هي التي تهز العالم بيسارها.

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *