سيرك في بث معاد

نائل موسى
نائل موسى 11 يناير، 2016
Updated 2016/01/11 at 7:25 مساءً

download
هآرتس

بقلم: جاكي خوري
“نشأت ملحم صفي في عرعرة”، هتفت العناوين يوم الجمعة بعد الظهر. من هنا انتقلنا الى المرحلة الثانية من السيرك والتي يبدو فيها المواطنون العرب في اسرائيل مرة اخرى كحيوانات في قفص. لا نمور ولا اسود. فليسوا خطيرين لهذه الدرجة ولا حاجة للمس بكرامة ملوك الغابة. ولا كلابا ايضا، فهؤلاء مخلصين كثيرا بل وشارك مندوبهم في اقتحام البيت الذي اختبأ فيه ملحم (لا تقلقوا، فالوداع للكلب). في هذا السيرك العرب هم قرود: يقفزون ويعربدون، احيانا يعضون ويجعلون ضجيجا ولكنهم في نهاية المطاف يعرفون مكانهم.
قرد عاق يطلب صوتا آخر يسكته المروض. ولا ينقص ممثلون يلعبون دوره: يمكن أن يكون هذا رجل امن متقاعد يعرف “كيف يتحدث الناس مع العرب”؛ يحتمل أن يكون خبيرا في وقت البث الاعلى الذي اكتشف المجتمع العربي ويتجول في وادي عارة وكأنه القي به الى ميدان معركة في جبال افغانستان؛ ويمكن لهذا ان يكون ايضا واحدا منا، من داخل القطيع نفسه، يحذر من رفع الصوت والوقوف في وجه السيد ويطلق المرة تلو الاخرى تنديدات حادة واعتذارات من اعماق القلب.
نشأت ملحم هو ليس بن لادن، ولا عضوا في حماس ايضا. ليس له تنظيم. ليس له شبكة. هو ليس بطلا، ليس مقاتل حرية وبالتأكيد ليس شهيدا. نشأت ملحم هو قاتل منكر قتل مواطنين يهود – وعربيا ايضا، أب لـ 14 طفلا. ويبدو أننا لن نعرف ابدا بثقة لماذا. في عرعرة لا يكررون اقوال المحللين. هناك يعرفون ما هي خلفية نشأت واين ترعرع ويشككون في رواية الدافع الوطني. في المجتمع العربي يطرحون اسئلة كثيرة: هل حقا كانت حاجة لتصفية ملحم؟ لعله كان ممكنا اعتقاله؟ فقد كانت هناك أفضل الوحدات وكان هو شخصا واحدا. لعل التحقيق معه كان سيكشف عن تفاصيل جديدة، يكشف ما حصل من لحظة اطلاق النار وحتى العثور عليه؟ واذا كان خطيرا لهذه الدرجة وتأثير بداعش او بحماس فكيف حصل انه تجول حرا؟ فكل اسبوع نحن نسمع عن قضية أمنية خطيرة اخرى وعن اعتقالات تثبت كي هي طويلة ذراع جهاز الامن في المجتمع العربي، في اسرائيل وفي الضفة الغربية.
هذه الاسئلة تطرح داخل الجمهور العربي، ولكن ليس في الخطاب العام. فمع الرواية الاخرى لا يريد أحد أن يتصدى، ولا حتى على مستوى النقاش النظري. عن المواطنين العرب لا يجري الحديث في وقت البث الاعلى بنظرة مدنية، ولا حتى حول حدث أليم مثل القتل في تل أبيب. فهم لا يحصلون على منصة الا عندما يضعهم حدث امني مرة اخرى امام مقياس الولاء لمواطنتهم والانقطاع عن قوميتهم والسؤال كم حادا الشجب وهل هو خرج حقا من القلب. وعلى الطريق يظهر مندوب آخر للجمهور بان الحديث يدور عن تمييز، عن انعدام الاستثمار في التعليم، عن تجاهل العنف الداخلي وعن كثرة الاسلحة. هذه هي الفرص الوحيدة للاغلبية الاسرائيلية للاطلاع على هذه المشاكل.
يوجد في المجتمع العربي من يعتقدون ان الاجواء السياسية والحزبية القاتمة، اليأس الذي يسيطر على الارض، التحريض منفلت العقال ضد المواطنين العرب والعنصرية المستشرية يمكنها جميعها أن تنبت اناسا مثل ملحم، ولكن حتى لو كان هناك مثل هؤلاء، فانهم افراد وتحدثوا اساسا في الشبكات الاجتماعية. ولم تعقد في أي مكان مظاهرة تأييد لملحم. مظاهر العطف في غزة تشهد اساسا على ازمة حماس. في الضفة لم يسارعوا الى تبني ملحم، وخيمة عزاء رمزية واحدة اقيمت لذكراه. وحتى الشباب من عرعرة ممن سارعوا الى وصفه كـ “شهيد” بعد مقتله اسكتوا فورا – ليس انطلاقا من الخوف او محاولة للتزلف، بل لان كل من له عقل في المجتمع العربي يفهم بان مثل هذه الفعلة لن تنقذ العرب في اسرائيل ولا الفلسطينيين بل ستشعل فقط شعلة التحريض والاقصاء للمواطنين العرب.
الدليل على ذلك حصلنا عليه على الفور تقريبا: قبل يومين فقط من اطلاق النار في تل أبيب تباهت الحكومة بخطة غير مسبوقة لتقليص الفجوات بين المجتمع العربي واليهود. وجاء القتل، خرب الاحتفال واعطى الاشارة لحملة التشهير ضد جمهور كامل – نحو 20 في المئة من مواطني الدولة. مرة اخرى يتحدثون عن انفاذ القانون بقوة الذراع وعن لجنة تفحص الولاء وتبلور الشروط، برئاسة زئيف الكين ويريف لفين، فيما أن كل طفل في المجتمع العربي يفهم الى أين سيؤدي هذا وكيف سيترجم هذا عمليا. في عشية رأس السنة الميلادية كان يمكن الامل بالخير. قرار الحكومة، حتى لو لم يؤدي حقا الى المساواة، وفر شيئا ما متفائلا يمكن التمسك به. ولم يصمد هذا سوى يومين، وعندها عدنا مرة اخرى الى ذات الواقع الذي يميز شبكة العلاقات بين الدولة والمواطنين العرب.

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *