بين سطور الاعتراف الأوروبي بفلسطين

Nael Musa
Nael Musa 8 يونيو، 2024
Updated 2024/06/08 at 10:04 مساءً

 

بين سطور الاعتراف الأوروبي بفلسطين:

“إسرائيل” قوة احتلال .. والمقاومة ضدها مشروعة

 

بقلم: خليل حمد

 

بين الضغط السياسي على “إسرائيل”، والالتزام الفعلي بمتطلبات الاعتراف بدولة فلسطين، تتأرجح خطوات دول عدة في القارة العجوز، في خطوة متقدمة على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة، الصادر في العاشر من أيار / مايو 2024، والذي غيَّر مقعد جلوس ممثلي “دولة فلسطين” في الجمعية، دون أن يعطيها حق التصويت، أسوة بغيرها من الدول.

يتغير الوضع اليوم تدريجياً. الاعتراف الدولي المتزايد بفلسطين والذي وصل إلى 147 دولة حتى لحظة كتابة هذه المادة، ومن دول أوروبية، أكبرها وزناً سياسياً هي إسبانيا، يعني توسعاً في حالة التململ من الحلقة المفرغة التي تعيشها القضية الفلسطينية، بفعل التعنت الصهيوني، والمباركة الأمريكية لكل ممارسات الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني الأعزل. اعترافا يعني الكثير، سواء تم تنفيذ التزامات الدول بموجبه، أم لا. الدول الأوروبية التي سبق واعترفت بالدولة الفلسطينية، كالسويد مثلا عام ٢٠١٤، لم تستطع تحمل تبعات هذا الاعتراف، فلم تفتح مثلاً هيئات وممثليات ديبلوماسية باسم الدولة الفلسطينية على أراضيها، ولم ترسل سفراءها إلى رام الله، والأصح، إلى “القدس الشرقية” التي ينص الاعتراف بأنها عاصمة الدولة الفلسطينية العتيدة.

قبل الدخول في تفاصيل الاعتراف والتزاماته، من المهم النظر إلى السياق الذي تأتي فيه الاعترافات المتتالية بالدولة الفلسطينية في أوروبا والعالم.

  • تستنفر محكمتا الجنائية والعدل الدوليتان ضد مسؤولي الكيان (بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت)، وجرائم الحرب التي يرتكبها العدو في غزة منذ ثمانية أشهر.
  • تلتهب جامعات أمريكا والعالم بتظاهرات رافضة لاستمرار الحرب، داعية إلى وقف المذبحة في القطاع المحاصر.
  • تتحدث وسائل إعلام غربية، من بينها صحيفة “الغارديان” البريطانية أن مزيداً من “الإسرائيليين” يشعرون بعزلة “إسرائيل” الدولية، جراء ما يجري في غزة.
  • تتزايد التظاهرات في الداخل الإسرائيلي ضد بنيامين نتنياهو، بسبب فشله في تحقيق ما وعد به  المستوطنين منذ بدء الحرب العدوانية على غزة.

في هذا السياق، تأتي خطوة الاعتراف بفلسطين من قبل دول أوروبية جديدة، بمثابة خطوة في الاتجاه الصحيح، لإنهاء الصراع على مستوى المنطقة، ولإعادة الاعتبار للقانون الدولي الذي تنتهكه تل أبيب منذ ستة وسبعين عاماً، عبر كل الممارسات ضد الشعب الفلسطيني، وعبر رفض تنفيذ كل القرارات التي تدعو لإقامة الدولة الفلسطينية. رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز قال في خطاب تلفزيوني إن “هذا قرار تاريخي له هدف واحد: إحلال السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين”.

تشي بيانات إسبانيا وإيرلندا والنرويج المتعلقة بالاعتراف بفلسطين، بأن هذه الدول ستتجه نحو استكمال إجراءاتها. إيرلندا مثلا سترفع مستوى تمثيلها الديبلوماسي في الضفة إلى سفارة، وستمنح البعثة الفلسطينية الموجودة فيها صفة السفارة أيضاً، وهذه خطوة تزيد من أهمية الاعتراف بحد ذاته، وتحوله من حبر على ورق أو ورقة سياسية للضغط على “إسرائيل”، إلى أداة إلزام لكل من تل أبيب وواشنطن بوصفها الراعي الوحيد للمفاوضات، كي تستعيد العملية قيمتها، وتنتهي من التفاصيل التي لا يجب أن تُغير في واقع أن فلسطين دولة، بأرض وشعب وحدود، هي حدود العام ١٩٦٧، وفقاً لقرارات الأمم المتحدة.

بهذا المعنى، فإن توصيف الوجود الإسرائيلي في الضفة الغربية كقوة احتلال هو أحد التزامات الدول المُعترفة، ما يُعطي الشرعية لكل من يناهض هذا الاحتلال، بوصفه حقاً بالمقاومة تكفله الشرائع الدولية. الامر ينطبق على قطاع غزة الذي تجتاحه القوات الإسرائيلية، وترتكب فيه المجزرة تلو الأخرى، وليس آخرها ما يجري في رفح من جرائم إبادة جماعية.

وبهذا المعنى أيضاً، على الدول المعترفة رفض كل المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية بوصفها غير شرعية، وربما مقاطعة منتجات هذه المستوطنات، وإلزام “إسرائيل” بإيجاد حل لإنهائها، ناهيك عن وقف التمدد الاستيطاني وقضم الأراضي الفلسطينية، وتسليح المستوطنين الذين يتضمن الاعتراف بفلسطين اعترافاً بعدم شرعية وجودهم في هذه البقعة الجغرافية من فلسطين التاريخية.

الاعتراف يعني أيضاً أن على “إسرائيل” إطلاق سراح جميع الأسرى الفلسطينيين الذي اعتقلهم العدو من أراضي الدولة الفلسطينية، كذلك إنهاء الاعتقال الإداري للفلسطينيين، ووقف الاقتحامات والمداهمات بوصفها اعتداء على دولة مستقلة مُعترف بها عالمياً، وبالتالي فإن أي تجاوز لحدودها يُعتبر انتهاكاً للقانون الدولي، يستدعي ردة فعل مجلس الأمن المُكلف فرض احترام الأمن والسلم الدوليين على الدول الأعضاء في الأمم المتحدة.

وكي نفهم خطورة هذا الاعتراف بالنسبة لـ “إسرائيل”، يكفي أن نقرأ في ردود الأفعال الإسرائيلية والعربية المعنية بالقضية، ففي حين رحبت الرئاسة الفلسطينية بإعلانات الاعتراف، رأت فيه تكريساً لحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره على أرضه، وفي أخذ خطوات فعلية لدعم تنفيذ حل الدولتين، كما رحبت كلٌّ من مصر والسعودية والأردن والجامعة العربية، بالقرارات الأوروبية، وأعربت هذه الجهات عن تقديرها للخطوة التي “تدعم الجهود الدولية الرامية إلى إنشاء أفق سياسي يؤدي إلى إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود 1967وعاصمتها القدس الشرقية”.

على المقلب الآخر، حمّلت أوساط إسرائيلية حكومة بنيامين نتنياهو المسؤولية عن اعتراف النرويج وإيرلندا وإسبانيا بدولة فلسطين، فيما سارع وزير الخارجية الإسرائيلي يسرائيل كاتس إلى استدعاء سفراء تل أبيب في مدريد ودبلن وأوسلو للمشاورات مع الإبقاء عليهم في “إسرائيل”. انتصار للسردية الفلسطينية وفشل ديبلوماسي “إسرائيلي”، هكذا قرأت وسائل إعلام العدو الأمر.

ومهما كانت الالتزامات التي تنفذها الدول المُعترفة، قليلة أو كثيرة، فإن أبرز ما حققه هذا الاعتراف هو التأكيد على حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، الحق الذي كفلته كل الشرائع الدولية، وتنتهكه “إسرائيل” يومياً منذ ستة وسبعين عاماً، بدعم من الولايات المتحدة، والدول الغربية التي تدور في فلكها.

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *