انسحاب مصر من مهمة الوساطة

نائل موسى
نائل موسى 30 مايو، 2015
Updated 2015/05/30 at 7:56 مساءً

181

“هآرتس”
عاموس هرئيل
ان سقوط صاروخ الكاتيوشا من نوع غراد في منطقة مفتوحة بالقرب من غان يفنة، ليلة الثلاثاء، اتضح بسرعة انه نجم عن صراع فلسطيني داخلي: فقد وجد احد الاطراف في الشجار حول تعيين قائد محلي في الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي ذريعة لمحاولة اقحام إسرائيل. لكن اطلاق الصاروخ لم يسبب أي إصابات وبالتالي سارعت حماس الى التوضيح بأنها لم تكن المسؤولة عن اطلاق الصاروخ.

ليست هذه هي المرة الأولى التي تحدث فيها مثل هذه الأشياء في ظل الصراعات الدائرة في غزة والتي لا توجد لإسرائيل علاقة مباشرة فيها. ورغم ذلك، فقد كان هنا تذكير – بعد عشرة أشهر فقط من انتهاء الحرب الأخيرة – أن وقف إطلاق النار هو مسألة هشة جدا. وحتى عندما يسعى الطرفان الرئيسيان، إسرائيل وحماس، الى مواصلة الصفقة غير المباشرة، فان هناك ما يكفي من اللاعبين القادرين على عرقلة الهدوء.

في الأوقات العادية، يبدو ان الجمهور الإسرائيلي بالكاد يفكر في عواقب حرب الصيف الماضي. ولكن اطلاق صافرات الإنذار “لون أحمر” التي تجعل سكان أشدود وعسقلان يقفزون الى الملاجئ والمخابئ، تماما عندما يرسلون اطفالهم للنوم، يذكرنا بما كنا نأمل أننا قد نسيناه بالفعل. خلال الشهور العشرة وقع عدد قليل نسبيا من الحوادث في غزة. فقد تم اطلاق الصواريخ ست مرات، وسقطت كلها في مناطق مفتوحة، وتم مرتين فتح نيران الأسلحة الخفيفة على دوريات الجيش الإسرائيلي على طول السياج المحيط بغزة. وفي احداها، في ديسمبر، اصيب جندي بجروح خطيرة.
الفلسطينيون أيضا يعدون قائمة بالانتهاكات الإسرائيلية، خصوصا حول نشاط السفن البحرية التي تبعد بالقوة الصيادين في غزة عن الحدود. هذا المتوسط، حادث كل خمسة أسابيع، لا يختلف كثيرا عن الوضع الذي ساد على الحدود مع قطاع غزة بعد العمليتين السابقتين، “عملية الرصاص المصبوب” في عام 2009 و”عامود السحاب” في عام 2012. في المرات السابقة، قبل تورط الجانبين في مواجهة أخرى، مرت عدة شهور من الانحدار البطيء: تقصير تدريجي لفترة الهدوء بين جولة ضربات “صغيرة” وجولة أخرى، وصعوبة متزايدة في تهدئة الأمور، حتى حدوث الانفجار الكلي.

حاليا يبدو ان الوضع يختلف قليلا هذه المرة. وقد قال وزير الأمن موشيه يعلون، يوم الأربعاء أن “عصا الجرف الصامد لا تزال مرفوعة في الهواء ويجب الحفاظ عليها. يمنع تجاوز الأمور. هذا جزء من الحفاظ على الردع”. لقد تطرق يعلون إلى قرار قصف أهداف في مناطق التدريب التابعة لحماس والجهاد الإسلامي. وتم عمليا مهاجمة هذه الأهداف في الليل، عندما كان واضحا أنه لا توجد هناك أي نفس حية.

الخطاب الإسرائيلي متصلب، ولكن استخدام القوة محدود، والتلميحات خفيفة إلى حد ما. حتى حماس، التي سارعت إلى التوضيح بأن إطلاق الكاتيوشا لم يصدر عنها، واعتقلت ثلاثة جهاديين مشبوهين بإطلاق النار، تعرف أن طائرات سلاح الجو عملت فقط كي تقوم بواجبها. قواعد اللعب الجديدة مفهومة، على الأقل بالنسبة للطرفين الرئيسيين.

بشكل مثير للاهتمام، يبدو أن الرسائل المتبادلة بين إسرائيل وحماس لم تعد تجري بالضرورة من خلال مصر. العلاقات بين القاهرة وغزة متوترة جدا، الى حد يبدو معه أن إسرائيل لم تعد تبني على مصر كوسيط يمكنه تطبيق التفاهمات مع حماس. وهنا يكمن الخطر الحقيقي. الوضع الاقتصادي في غزة لا يزال غير محتمل والخلافات بين حماس ومصر والسلطة الفلسطينية تحبط أي إمكانية لتخفيفه.

بعد الضرر الهائل الناجم عن القصف في قطاع غزة خلال الحرب، خففت اسرائيل بشكل كبير على حركة البضائع عبر معبر كرم أبو سالم (يصل المعدل اليومي حاليا الى نحو 650 شاحنة يوميا). كما سمحت في الآونة الأخيرة بدخول ما يقرب من 3000 رجل أعمال من غزة إلى إسرائيل والضفة الغربية، ومنذ بداية العام وصل العدد الى 70 ألف. ولكن يبدو أن المشكلة لم تعد تكمن في السلع، وانما في عدم وجود المال لشرائها. نسبة البطالة في غزة تكاد لا تصدق. تقريبا – 44٪. حركة المرور عبر معبر رفح إلى مصر صغيرة جدا (القاهرة تفتح المعبر بشكل محدود؛ وهذا الاسبوع فتحته لمدة يومين، للمرة الأولى منذ أوائل أذار). حتى الأموال التي وعدت بها الدول المانحة لقطاع غزة بعد الحرب لم تصل بعد. ومن بين مبلغ 5.4 مليار دولار تم الوعد بتقديمها لغزة لم يصل حتى الآن سوى بضع مئات الملايين. ويتم ادخال مواد البناء إلى غزة لإعادة بناء آلاف المنازل التي دمرت، ولكن في وتيرة العمل الحالي سيستغرق المشروع سنوات.

في سبيل البدء بإنقاذ غزة من ضائقتها هناك حاجة الى اتفاق ثلاثي بين مصر وحماس والسلطة الفلسطينية، ولكن الفجوات كبيرة: مصر تشترط افتتاح معبر رفح بتحمل السلطة الفلسطينية للمسؤولية الحصرية على المعابر الحدودية لقطاع غزة. والسلطة، التي ليس من المؤكد على الإطلاق أن قيادتها معنية بهذا الصداع، تريد سلطة أمنية شاملة في غزة – وهو مطلب لا تبدي حماس اي استعداد للنظر فيه. ويضاف الى الوضع الاقتصادي المتفجر، الاشمئزاز المصري الصارخ من حركة حماس. ولا يتوقف الأمر على عدم ثقة القاهرة بحماس، كامتداد لحركة الإخوان المسلمين في مصر، بل انها تتهم قادتها بتقديم مساعدة سرية لنشاطات الجماعات الجهادية في سيناء بقيادة أنصار بيت المقدس، التابعة لداعش (الدولة الإسلامية).

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *