أزمة صناعة في جنوب إسرائيل

نائل موسى
نائل موسى 18 مايو، 2015
Updated 2015/05/18 at 4:22 مساءً

deadsel
تقرير خاص: المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية “مدار”

أضربت السلطات المحلية في بلدات ديمونا وعراد ويِروحام في جنوب إسرائيل عن العمل، أمس الأحد، تضامنا مع مئات العمال الذين تم فصلهم من عملهم في الشهور الأخيرة، وضد نقل هذه المصانع إلى خارج البلاد.
وشمل الإضراب في ديمونا المؤسسات التعليمية فوق الابتدائية، بينما كان في البلدتين الأخريين مقتصراً على السلطتين المحليتين.

كذلك جرى تنظيم مظاهرة احتجاجية شارك فيها قرابة ألفي شخص من سكان بلدات الجنوب وأعضاء كنيست وتلاميذ مدارس ثانوية. وأغلق المتظاهرون مداخل البلدة باتجاه مدينتي بئر السبع وإيلات.

وشارك في المظاهرة أعضاء الكنيست من قائمة تحالف “المعسكر الصهيوني”، برئاسة إسحاق هرتسوغ، وعقدوا اجتماعا للكتلة البرلمانية في ديمونا تضامنا مع نضال العمل. وقال هرتسوغ أمام المتظاهرين، في إشارة إلى وزراء الحكومة الجديدة برئاسة بنيامين نتنياهو، إنه “أقيم في القدس يوم الخميس الماضي مصنع مؤلف من 61 شخصا، وحصل كل واحد منهم على 20 مليون شيكل لكي يكون شبعا وراضيا. ونحن نطالب منذ شهور بحل لمشكلة ديمونا كونها مثالا على ما يحدث في النقب، وما يحدث في ’كيل’ (شركة الكيماويات الإسرائيلية)، وما من مستجيب. وقد تم إلغاء اجتماع الحكومة اليوم، وتعين على الوزراء المجيء إلى هنا”.

وأضاف هرتسوغ أنه “إذا لم نناضل سوية ونطالب بحل فإننا لن نحقق نجاحا. ونحن نطالب بتغيير سلم الأولويات حالا. نريد حلا لـ’كيل’ وأن نرى آلاف العمال الإسرائيليين يعودون إلى ’كيل’. وأعلم أن الكثيرين من سكان النقب وديمونا لم يصوتوا لي، لكني مؤمن بطريق النضال من أجل الجميع ومن أجل العدالة الاجتماعية”.

وقالت عضو الكنيست شيلي يحيموفيتش إن “من حقكم أن تصوتوا لحزب الليكود، لكن عليكم ألا تتوقفوا الآن عن مطالبتهم بحقكم في العيش بكرامة. واذهبوا وأرغموهم على تنفيذ وعودهم. ونحن معكم في هذا النضال وليس مهما لمن صوتم”.

وأعلن رئيس لجنة عمال مصانع البحر الميت، أرموند لانكري، أمام المتظاهرين عن استقالته من عضويته في حزب الليكود، وقال إنه “يصعب عليّ تأييد حزب لا يرى أن النقب هو جزء من دولة إسرائيل ولا يهتم بكنوز الطبيعة في الدولة”.

وقال لانكري مخاطبا نتنياهو إن “كنزا اقتصاديا للدولة يجري تهريبه إلى خارج البلاد وأنت تلتزم الصمت. يا رئيس الحكومة، أطالبك بأن تقرر أيهما أهم، سكان دولة إسرائيل أم عيدان عوفر (أحد أصحاب المصانع التي تعتزم نقل إنتاجها إلى خارج البلاد). لقد لوحت خلال معركة الانتخابات الأخيرة بأنه أنت فقط من سيحمي كنوز الدولة ولن يبيعها للفلسطينيين بثمن رخيص، لكنك تمنح كنوز الدولة مجانا إلى عيدان عوفر. ومنذ الانتخابات لم نر أي تدخل من جانبك. إننا نريد أن نرى أفعالا وليس أقوالا فقط”.

وقوبل عضو الكنيست ميكي زوهار، من حزب الليكود، بالاحتجاج من جانب المتظاهرين، الذين هتفوا “بيبي إرحل”.
ارتفاع نسبة البطالة

تشير معطيات مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي إلى أن أوضاع التشغيل في جنوب إسرائيل ساءت كثيراً في العام الماضي، وإلى أن هذا السوء أدى إلى اتساع الفجوة الاقتصادية بين سكان الجنوب وباقي مناطق البلاد.

ووفقا لهذه المعطيات، فإنه في الوقت الذي تم فيه تسجيل ارتفاع بـ 0.5% في نسبة التشغيل وانخفاض بـ 0.3% في نسبة البطالة في إسرائيل عموماً، انخفضت نسبة التشغيل بـ 0.6% وبقيت نسبة البطالة على حالها في منطقة الجنوب.

وبنظرة إلى السنوات العشر الأخيرة، فإن نسبة البطالة في الجنوب تراجعت من 20% في العام 2005 إلى 16.9% في العام 2014.

ويحذر رؤساء السلطات المحلية في الجنوب من أن خطة الفصل من العمل في مصانع شركة الكيماويات الإسرائيلية (“كيل”) من شأنها أن تنعكس سلبا في المدى البعيد على منطقة الجنوب كلها. ورغم ذلك، تظهر المعطيات أنه حتى في حال التوصل إلى تسوية بين لجان العمال ونقابة العمال العامة (الهستدروت) وبين “كيل” وتم منع فصل المئات من العمل، فإن حال التشغيل في الجنوب تُظهر تراجعا متواصلا وثابتا، مقابل ارتفاع العرض للوظائف في مجالات لا تحتاج إلى تأهيل خاص وتتميز بأجور متدنية، ما يعني أنه لا توجد بدائل للكثير من سكان هذه المنطقة في حال فقدوا مكان عملهم الحالي.

ورغم وجود وزارة في الحكومة الإسرائيلية تحمل اسم “وزارة تطوير النقب والجليل”، إلا أن هذه الوزارة، بحسب تقارير صحافية، تفتقر إلى معطيات حول عدد المصانع التي أغلقت في الفترة الأخيرة، بينما توجد لدى وزارة الاقتصاد معلومات حول مصانع طلبت الحصول على منح حكومية فقط.

إلا أن معطيات متوفرة لدى اتحاد الصناعيين، الذي يتابع أعضاءه المسجلين لديه فقط، أفادت بأن 25 مصنعا في الجنوب أغلقت خلال السنوات العشر الماضية، وغالبيتها في فرع النسيج. وبين هذه المصانع “مغيفوت عراد” الذي أغلق قبل نصف سنة وتم فصل عماله من العمل والبالغ عددهم 240 عاملا. وقال موقع “يديعوت أحرونوت” الإلكتروني إن أفرادا معدودين منهم وجدوا مكان عمل جديداً.

ويعود سبب إغلاق قسم من هذه المصانع إلى انتقالها إلى بلدات أخرى، ورغم أنها تقع في الجنوب إلا أنها فصلت مئات العمال الذين كانوا يعملون فيها. وفي مقابل إغلاق هذه المصانع تم إقامة مصنع جديد لشركة “صودا ستريم”، بعد أن واجه حملة مقاطعة دولية لأن مقره في المستوطنات، ولذلك قرر الانتقال إلى بلدة “لهافيم” قرب رهط. وتشير التوقعات إلى أن هذا المصنع سيستوعب نحو ألفي عامل، لكن بأجور متدنية.

وشدد رئيس دائرة المصانع الصغيرة والمتوسطة في اتحاد الصناعيين، ليئور ليفي، على أن إقامة مصنع “صودا ستريم” لن يحل ضائقة العمال الذين فصلوا من العمل في مصانع في المنطقة ولديهم مؤهلات معينة، وأن هؤلاء العمال لن يجدوا عملا ملائما لمؤهلاتهم. وقال إنه “عندما يغلق مصنع، فإن العامل لا يجد مكان عمل آخر في غالب الأحيان. وهذا هو الواقع”.

وقال رئيس بلدية عراد، موشيه كافوس، إن 1600 شخص تقريبا من سكان المدينة فقدوا أماكن عملهم خلال السنتين الأخيرتين.
“حال الصناعة في الجنوب إشكالية”

أشار ليفي، من اتحاد الصناعيين، إلى أنه خلال السنوات الماضية تدهور حال الصناعة في منطقة الجنوب. وقال إنه “خلال السنوات العشر الماضية أغلقت أربعة مصانع كبيرة، لكن في موازاة ذلك أغلقت مصانع كثيرة كانت تعمل معها. ومرة كان هنا عدد كبير من مصانع النسيج لكنها اختفت، واليوم توجد مصانع بلاستيك كثيرة لكنها تعاني من مصاعب جمّة”.

وأضاف ليفي أنه يوجد 300 مصنع في الجنوب حاليا، ومعظمها مصانع صغيرة ومتوسطة، وتواجه مصاعب قياسا بالمصانع في وسط إسرائيل، وفي مقدمة هذه المصاعب تكاليف نقل منتجاتها بسبب بعدها عن وسط البلاد والموانئ، وأيضا بسبب النقص في قوى عاملة مهنية. وشدد على أن “حال الصناعة في الجنوب إشكالية”، لافتا إلى أنه “لا يوجد توجه بنقل مصانع إلى هذه المنطقة بسبب النقص في القوة العاملة المهنية، ولأن العثور على عاملين يمتلكون قدرات مهنية أسهل في وسط البلاد”.

ولفت المسؤول عن منطقة النقب في الهستدروت، يوسي هوبر، إلى أن مصانع كبيرة كانت موجودة في المنطقة، مثل مصنع “كيتان ديمونا” ومصنع “مغيفوت عراد”، اللذين كانا يشغلان 600- 700 عامل. و”عمال المصانع التي أغلقت بقوا في بيوتهم، لأنه لم يتطور أي شيء جديد ولا يوجد بديل. والعمال يسقطون في دائرة البطالة ويبقون هناك وقتا طويلا”.

وتفيد معطيات مكتب الإحصاء بأن مجال الصناعة ما زال المشغل الأكبر في منطقة الجنوب. وفي المقابل فإنه يلاحظ وجود ارتفاع في التشغيل، في السنوات العشر الأخيرة، من جانب الحكومة والسلطات المحلية، إلى جانب استقرار في نسبة العاملين في مجالي التجارة والتعليم.
وأظهر إحصاء أجراه موقع شركة All Jobs التي تعرض وظائف عمل، أن المجالات الأساسية التي تبحث عن عاملين في الجنوب، هي المبيعات وخدمات الزبائن والأعمال العامة. إلى جانب ذلك طرأ ارتفاع بنسبة 45% على طلب عمال صيانة ونظافة. لكن الطلب على عمال في مجال الصناعة انخفض بنسبة 15% في السنتين الأخيرتين.

وأوضحت الشركة أن المقصود بـ”أعمال عامة” مجموعة كبيرة من أنواع العمل، بدءا من الجلوس برفقة أطفال وحتى عمال تقنيين وعمال مخازن، وهي أعمال لا تتطلب خبرة أو ثقافة معينة.
مصير العمل النقابي المنظم

يوجد لشركة “كيل” ستة مصانع في منطقة الجنوب، وتشغل حوالي 4500 عامل. إضافة إلى ذلك يعمل قرابة 22.5 ألف عامل في مصانع تعمل لصالح “كيل”. وفي هذه الأثناء، تجري مفاوضات مكثفة بين إدارة “كيل” والهستدروت، بأمر من محكمة العمل في بئر السبع، حول مصير العمال المفصولين من العمل. ويتوقع أن تنتهي هذه المفاوضات مساء السبت المقبل.

وقال رئيس دائرة النقب الشمالي في الهستدروت، مئير ببيوف، إن الخلاف حاليا يدور حول فصل 110 عمال من العمل في “كيل”. ورأى أنه في حال تم فصلهم فإن هذه ستكون البداية وحسب. وقال إنه “في حال تنفيذ الفصل من العمل، لا قدر الله، فإنه لن يكون لهؤلاء العمال أمل ومستقبل. وسيكون هذا تدهور لن يتوقف. والهدف الآن هو العودة إلى الحياة بعد ثلاثة شهور ونصف الشهر من الإضراب والأضرار البالغة عشرات إن لم يكن مئات ملايين الدولارات لاقتصاد النقب”.

وأشار هوبر إلى أن “كيل” كانت تشغل ستة آلاف عامل في إسرائيل قبل عدة سنوات. وأضاف أنه على الرغم من أن “السهم الذهبي” يلزم هذه الشركة بالاستثمار في إسرائيل، إلا أنها تزيد دائما من استثماراتها ونشاطها في ما وراء البحار. “إن عمال كيل منتشرون في جميع أنحاء النقب، في ديمونا وعراد ويروحام وبئر السبع. ونحن نريد التوصل إلى تسوية، ولن نوافق على فصل العمال عبثا. وإذا وافقنا على سابقة كهذه، يتم خلالها فصل عمال، فإن ذلك سيشكل بداية نهاية العمل النقابي المنظم”.

وشدد هوبر بدوره على أن “إغلاق أي مصنع هو أمر مؤلم، لأنه لا توجد بدائل أخرى للمفصولين من العمل، ولكن الضربة الكبيرة ستكون إذا أوقفت ’كيل’ نشاطها. ففي هذه الحالة سيختفي النقب، لأنه لا يوجد باب رزق آخر في المنطقة. فهذه ليست تل أبيب، وإذا فُصلت من العمل لا يوجد شيء آخر. وهذه مصانع قوية تسيطر على اقتصاد النقب”.

Share this Article
Leave a comment

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *