الرئيسية / أقلام وآراء / مقهى الانشراح – كتاب رام الله المفتوح

مقهى الانشراح – كتاب رام الله المفتوح

أنور حمام
اعتدت منذ سنوات ارتياد مقهى الانشراح في “رام الله التحتا”، رغم أن المدينة تعج بالمقاهي والمطاعم التي انتشرت كالفطر، فأنا تقليدي جدا في اختيار الأماكن والوجوه والتعود عليها. وفكرة تبديل الأماكن عادة لا تستهويني.
هذه المقاهي أضاءت ليل رام الله، وجعلت من المكان هامشاً ومتنفساً للناس، فأين يذهبون أمام هذا الإغلاق والحواجز، هذه المقاهي تعكس اللامبالاة من جهة وشكل من أشكال إدارة التكيف من جهة أخرى. كنت ولا زلت أعتقد أن للمقهى أدوارا اجتماعية تفوق مجرد الجلوس ولعب الورق أو  المغازلة أو إضاعة الوقت، وهذه المقاهي ليست فقاعة أو على الأقل ليس كلها كذلك، فهي فضاءات تحمل بداخلها قيم الحرية والانفتاح وتبادل الأفكار  والتجديد. وهي هوامش للتهوية يفتحها المجتمع لتجاوز فكرة المحددات والضغوط الاجتماعية.
مقهى الانشراح، مقهى شعبي في وسط رام الله التحتا، تمدد على الرصيف ليصبح شكلاً جديدا ومختلفاً لرام الله، يضم بداخله خليطا غريبا عجيبا من الفئات الاجتماعية غير المتجانسة، وعلى كل طاولة عالم يستحق الدراسة والتحليل، فيه تجد كبار السن من أبناء المدينة، الذين اعتادوا على لعب الورق داخل المحل، يضاف إليهم فئات الشباب. وعلى الطاولات يتبعثر خليط فسيفسائي مكون من مثقفين وكتاب وشعراء وباحثين وطلبة وموظفين وعمال وباعة، وتجار وسياسيين وأجانب ونساء، ولو على نحو محدود.
في كل مرة أجلس في هذا المقهى أقول، لو كان الأمر بيدي لأجريت تعديلات على المكان وشكله وأدواته، ليصبح شبيها بالفيشاوي أو أم كلثوم بالقاهرة أو الشواشين والمرابط بتونس، أو كمقاهي دمشق كالسكرية أو العصرونية أو كمقاهي بغداد كالزهاوي والخفافين.
الانشراح ليس مقهى عصرياً ولا يجب أن يكون، بل هو مقهى شعبي بأتم معنى الكلمة، لهذا تجدني وفي أحيان كثيرة أغرق مع الأصدقاء في رؤية متخيلة لما أحب أن يكون عليه شكل الديكور الداخلي والذي بالضرورة يجب أن يعكس شيئا من تراث وتاريخ البلد، ونوعية الخط وتصميمه بحيث يعكس هوية المكان، والكراسي والطاولات لتصبح أكثر قدما، وحتى بلاط الأرض يمكن أن نستخدم نقشاً من البلاط المستخدم في بيوت رام الله القديمة،  وحتى الادوات المستخدمة والفناجين وغلايات القهوة يمكن أن يجري عليها تبديل كبير،  واستخدام النحاسيات على نحو ملفت.
في إحدى المرات فكرت أن نطرح على صاحب المقهى فكرة عقد ورشة صغيرة لتطوير الشكل والأداء، ويمكن الاستفادة هنا من مجموعة لا بأس بها من الرواد الذين هم أصحاب اختصاص في المعمار والاقتصاد والتسويق والخط والثقافة والحرف اليدوية.. إلخ.
ناقشنا هذا الأمر عشرات المرات، لكن بقي المقهى على حاله لم يتغير وفي ذات الوقت زاد رواده وعشاقه. هناك خلطة سحرية لا يدركها الكثير، ربما هي البساطة وراء كل ذلك، الهروب من الأضواء للمدينة الجديدة والمبالغات التي تمت جعلت الناس تذهب “إلى البسيط من الكلام” على حد تعبير محمود درويش.
بالنسبة لي، الانشراح عادة اجتماعية قبل كل شيء، شكل من أشكال التعود، فرصة للقاء ثلة مهمة من الذين لهم رأي حقيقي في السياسة والاجتماع والاقتصاد والثقافة. لا يحتاج الأمر إلى جهد كبير كي تشعل نقاشا حول أي مسألة، يكفي أن تسأل أي سؤال لتبدأ الأجوبة والاعتراضات والاصطفافات والتباينات والاختلافات. يتم “تفلية” الموضوع من كل جوانبه، من الروئ الحالمة والرومانسية إلى المواقف الأكثر واقعية، وتلك التي تربط التحليل بالاقتصاد. أحيانا أشعر أنني في صالون ثقافي أو سياسي يعج بالأفكار والأحلام.
باختصار، الانشراح كتاب رام الله المفتوح، والمعروض على الملأ، بلا فقاعات، ولا مكياج زائد ولا لغة عالية صعبة على الفهم.

شاهد أيضاً

من الجنون الفردي إلى الجماعي

 بقلم : أنور حمام  منذ إعلان حالة الطوارئ في فلسطين، وربما قبل ذلك بشهر، بدأتُ …

%d مدونون معجبون بهذه: