الرئيسية / ثقافة وادب / قصائد في رثاء الزعيم عبد الناصر

قصائد في رثاء الزعيم عبد الناصر

جمال عبد الناصر - صورة أرشيفية

كتب كثير من الشعراء عشرات القصائد في الزعيم جمال عبدالناصر، خاصة بعد وفاته في 28 سبتمبر عام 1970، لما مثله من حالة سياسية مفارقة للواقع العربي في منتصف القرن الماضي.

صلاح عبدالصبور، الشاعر البارز، انتقد عبدالناصر في حياته في قصيدة «عودة ذي الوجه الكئيب»، لكنه بعد وفاته كتب: «هل مات من وهب الحياة حياته.. حقا مات ؟.. ماذا سنفعل بعده ؟.. ماذا سنفعل دونه ؟»، فيما جاءت قصيدة أحمد عبدالمعطي حجازي في أكتوبر 1970 بعد أيام من رحيل ناصر، مرثية لزمن ورجل: «ندعوك فاخرج إلينا ورد ما يزعمونه.. إن كنت عطشان، كنا إليك ريحا ونهرا.. أو كنت جوعان، كنا خبزا وملحا وتمرا.. أو كنت عريان، كنا ريشا، وكنا جناحا.. أو في غيابات سجن، كنا مدى وسراحا.. أو كنت مستنصرا، كنا السيف والأنصارا.. أو تائها في الصحارى، كنا القرى والدارا.. تعود فينا فقيرا وعاريا وغريب».

الشاعر السوري الكبير نزار قباني، اتهم الواقع العربي بقتل عبدالناصر: «ليسَ جديداً علينا اغتيالُ الصحابةِ والأولياءْ.. فكم من رسولٍ قتلنا.. وكم من إمامٍ ذبحناهُ وهوَ يصلّي صلاةَ العشاءْ.. فتاريخُنا كلّهُ محنةٌ.. وأيامُنا كلُّها كربلاءْ»، ثم عاد من جديد بقصيدة «الهرم الرابع»: «السيّدُ نامَ كنومِ السيفِ العائدِ من إحدى الغزواتْ.. السيّدُ يرقدُ مثلَ الطفلِ الغافي.. في حُضنِ الغاباتْ.. السيّدُ نامَ».

 

محمود درويش شارك في رثاء ناصر: «نعيش معك.. نسير معك.. نجوع معك.. وحين تموت.. نحاول ألا نموت معك»،

فيما أقسم شاعر الرفض أمل دنقل بعد إعلان وفاة ناصر: «والتين والزيتون وطور سنين، وهذا البلد المحزون».

شاعر العامية البارز فؤاد حداد كتب: «يا حضن مصرى يا طلعة فجر يا ريّس.. مع السلامة يا والد يا أحنّ شهيد.. آدى الرقابى ودى الأعلام بتتنكـّس.. فين طـلـّتك في الدقايق تسبق المواعيد.. والابتسامة اللى أحلى من السلام بالإيد»، وكتب عبدالرحمن الأبنودي: «يعيش جمال عبدالناصر.. مش ناصرى ولا كنت ف يوم.. بالذات في زمنه وف حينه.. لكن العفن وفساد القوم.. نسّانى حتى زنازينه».

 

 

الرحلة ابتدأت.. الشاعر أحمد عبدالمعطي حجازي

من يا حبيبى جاء بعد الموعد الضروب للعشاق فينا

الفجر عاد، ولم أزل سهران أستجلى وجوه العابرينا

فأراك! لكن بعد ما اشتعل المشيب وغضن الدهر الجبينا

لا تبتئس إن تأخرنا !

فبعد اليوم لن يصلوا لنا ليفرقونا !

ورأيت جارى في قطار الليل يبكى وحده،

ويضيع في ليل المدينة

وجه ذكرت به مواكبك التي كانت طعام العام،

للفقراء أبناء السبيل

يتخطف التجار والعسس الصغار وجوههم في كل أمسية

فيطوون الضلوع على محياك النبيل

يأتى غدا فينا !

ويكمل في مسيرة شعبنا المقهور دينه

يأتى غدا فينا !

ويجعلنا له جندا وحاشية

ويجعل من منازلنا حصونه

يأتى غدا فينا !

يبوح بسرنا الخافى، ويسلمنا ودائعنا الدفينة

يأتى غدا !

ويجف دمعهم ويبتسمون في الحلم الجميل !

حتى يدور العام دورته ،

فتدعوهم إليك، تمد مائدة

وتفرط فوقهم ثمر الفصول

وتسل سيفك في وجوه عدوهم

وتعود منتصرا تحيط بك المدائن والحقول

زدنا! وتعطيهم، وتطعمهم وتسقيهم ،

إلى أن يملأ الفرح السفينة

يتحقق الحلم الجميل لليلة يتزودون بها ،

وينحدرون في الليل الطويل

يتنظرون على مداخل دورهم أن يلمحوك مهاجرا ،

تلقى عصا التسيار تحت جدارهم يوما ،

وتمسح عنهم تعب الرحيل

لكن بدر الليل لم يشرق علينا من ثنيات الوداع

ونعاه ناع !

يتمزق الصمت الحدادى الكئيب على انحدار قطارنا

في الليل وهو يمر منتحبا بأطراف المدينة

يجتاحنا هم ثقيل أنها اقتربت ،

فماذا نبتغى بعد الوصول

والليل أثقل ما يكون ،

كأن طير الموت لم يبرح يرف بجناحيه الأسودين ،

على الكآبة والسكينة

تتراجع الأشجار هاربة

وتشخص حولنا الأشياء ثم تميل ساقطة

وتمعن في الأفول

وأشد صاحبتى ونرحل في زحام الناس ،

لا ندرى غدا ماذا يكون ،

وكيف تشرق شمسه فينا ولست على المدينة !

لم لم يمت! وخرجنا

نجوب ليل المدينة

ندعوك فاخرج إلينا

ورد ما يزعمونه

إن كنت عطشان، كنا

إليك ريحا ونهرا

أو كنت جوعان، كنا

خبزا وملحا وتمرا

أو كنت عريان، كنا

ريشا، وكنا جناحا

أو في غيابات سجن

كنا مدى وسراحا

أو كنت مستنصرا ،

كنا السيف والأنصارا

أو تائها في الصحارى

كنا القرى والدارا

تعود فينا فقيرا وعاريا وغريبا

تصير فينا، فتعطى الرماد هذا اللهيبا !

كنا نفتش عنك في أنحائها

والليل يوغل، والمقاهى بعد يقظى ،

والمصابيح الكليلة، والعيون

متطلعين! كأنما من شرفة سنراك تظهر ،

أو من الراديو تصيح بملء صوتك ،

ساخرا مما ادعاه المدعون

أو أن إنسانا سيخرج هاتفا في الليل :

عاد إلى الحياة !

أو أنها هي ليلة الغار التي ستغيب فيها ،

ثم تشرق في المدينة

نلقاك فيها ناشرين أكفنا ظلا عليك ،

وجاعلين صدورنا درعا حصينة

لكن أضواء المصابيح تسللت من خلف قاهرة المعز ،

ولم تلح للساهرين !

ومشت رياح الأرض، أوراق الجرائد فيك ،

بالنبأ الحزين !

فإذن هو النبأ اليقين !

واناصراه !

مالت رؤوس الناس فوق صدورهم ،

وتقبلوا فيك العزاء

وأجهشت كل المدينة بالبكاء !

كونى ندى يا شمس أو غيبى

فاليوم يرحل فيك محبوبى !

كونى ندى يا شمس هذى اليوم

عين الحبيب استسلمت للنوم !

ورأيت في الطرقات قاهرة سوى الأخرى ،

تفجرت المصيبة عن مداها

خرجت إليك مع الصباح كأنها مادت ،

وعادت مرة أخرى تموج بما تخبئ في حشاها

تتدفق الأحياء حيا بعد حى حول مجرى نيلها ،

وتغيب في أجساد أهليها الشواهق والصروح

ويضيع في أبنائها الباكين أبناء المماليك الصغار ،

ويلمع النجم القتيل على ذراها

وترفرف الشارات

تندلع المناديل الصغيرة في سواد جنائز الصبح الفسيح

لا لم يمت !

وتطل من فوق الرؤوس وجوهك السمر الحزينة

لم يبق منك لنا سواها

تتشبث الأيدى بها

فكأنما أصبحت آلاف الرجال

وكأنما أصبحت للكف التي حملتك ملكا خالصا

فلكل ثاكلة «جمال» !

ولكل مضطهد «جمال» !

يا أيها الفقراء !

يا أبناءه المتنظرين مجيئه.. هو ذا أتى !

خلع الإمارة وارتدى البيضاء والخضراء

وافترش الرمال

هو ذا أتى !

ليمر مرته الأخيرة في المدينة،

ثم يأوى مثلكم في كهفها السرى يستحيى لظاها

يستنهض الموتى، ويجمعكم ويصعد ذات يوم

مثل هذا اليوم ،

يعطيكم منازلها، ويمنحكم قراها

هو ذا أتى‍‍ !

فدعوه أنتم يا مماليك المدينة ،

إننا أولى به يوم الرحيل

نبكيه حتى تنضب المقل الضنينة

نبكيه حتى ترتوى الأرض التي لابد سوف نهز

نخلتها ،

ونطعم من جناها !

يتنزل الجسد المسجى في خضم الناس .

يصبح ملك أيديهم، وترتحل السفينة

وتلوح الأيدى !

نحس كأن خرجنا من مدينتنا إلى بلد غريب

يتواثب الأطفال فوق الأمهات الباكيات ،

وتحمل الأجيال أجيالا، وتنفجر المدينة

بحر من الحزن المروع ،

آه! كم جيل من الجدات تمتلئ السماء بهن ،

يمطرن المدينة بالمراثى وهى تمشى في فتاها !

يا أيها الحزن مهلا واهبط قليلا قليلا

استوطن القلب واصبر على العين صبرا جميلا

أيامنا قادمات وسوف نبكى طويلا

هذا حصانك شارد في الأفق يبكى ،

من سيهمزه إلى القدس الشريف !

ومن الذي سيكفن الشهداء في سينا ومن يكسو

العظام

ويثبت الأقدام إذ يتأخر النصر الأليم ونبتلى

بمخاضه الدامى العنيف

ومن الذي تغفو عيون المريمات على اسمه ،

أن المعاد غدا إلى أرض السلام

ومن الذي سيؤمنا في المسجد الأقصى ،

ومن سيسير في شجر الأغانى والسيوف

ومن الذي سيطل من قصر الضيافة في دمشق ،

يحدث الدنيا ويلحقها ببستان الشام

ومن الذي سيقيم للفقراء مملكة وتبقى ألف عام

ومن الذي سنعود تحت جناحه لبيوتنا،

نحيا ونسعد بالحياة

هذا حصانك شارد في الأفق يبكى ،

والمدائن في حديد الأسر تبكى.. والصفوف

تبكيك.. والدنيا ظلام !

لو كنت أعلم أن يوم الملتقى سيكون في ذاك النهار

لقنعت منك بزورة في كل عام، وارتضيت الانتظار

ها أنت في دارى، فمن للأرض والمدن الأسيرة ،

والصغار

أمسك عليك حصانك الباكى وسيفك ،

إن رحلة حبنا

ستكون حربا.. لا يقر لها قرار !

 

قتلناك يا آخر الأنبياء.. نزار قبانى

قتلناكَ.. يا آخرَ الأنبياءْ
قتلناكَ..
ليسَ جديداً علينا
اغتيالُ الصحابةِ والأولياءْ
فكم من رسولٍ قتلنا..
وكم من إمامٍ..
ذبحناهُ وهوَ يصلّي صلاةَ العشاءْ
فتاريخُنا كلّهُ محنةٌ
وأيامُنا كلُّها كربلاءْ..

2

نزلتَ علينا كتاباً جميلاً
ولكننا لا نجيدُ القراءهْ..
وسافرتَ فينا لأرضِ البراءهْ

ولكننا.. ما قبلنا الرحيلا..
تركناكَ في شمسِ سيناءَ وحدكْ..
تكلّمُ ربكَ في الطورِ وحدكْ
وتعرى..
وتشقى..
وتعطشُ وحدكْ..
ونحنُ هنا نجلسُ القرفصاءْ
نبيعُ الشعاراتِ للأغبياءْ
ونحشو الجماهيرَ تبناً وقشاً
ونتركهم يعلكونَ الهواءْ

 

 

3
قتلناكَ..
يا جبلَ الكبرياءْ
وآخرَ قنديلِ زيتٍ..
يضيءُ لنا في ليالي الشتاءْ
وآخرَ سيفٍ من القادسيهْ
قتلناكَ نحنُ بكلتا يدينا
وقُلنا المنيَّهْ
لماذا قبلتَ المجيءَ إلينا؟
فمثلُكَ كانَ كثيراً علينا..
سقيناكَ سُمَّ العروبةِ حتى شبعتْ..
رميناكَ في نارِ عمَّانَ حتى احترقتْ
أريناكَ غدرَ العروبةِ حتى كفرتْ
لماذا ظهرتَ بأرضِ النفاقْ..
لماذا ظهرتْ؟
فنحنُ شعوبٌ من الجاهليهْ
ونحنُ التقلّبُ..
نحنُ التذبذبُ..
والباطنيّهْ..
نُبايعُ أربابنا في الصباح..
ونأكلُهم حينَ تأتي العشيّهْ..

 

 

4
قتلناكَ..
يا حُبّنا وهوانا
وكنتَ الصديقَ، وكنتَ الصدوقَ،
وكنتَ أبانا..
وحينَ غسلنا يدينا.. اكتشفنا
بأنّا قتلنا مُنانا..
وأنَّ دماءكَ فوقَ الوسادةِ..
كانتْ دِمانا
نفضتَ غبارَ الدراويشِ عنّا..
أعدتَ إلينا صِبانا
وسافرتَ فينا إلى المستحيل
وعلمتنا الزهوَ والعنفوانا..
ولكننا
حينَ طالَ المسيرُ علينا
وطالتْ أظافرُنا ولحانا
قتلنا الحصانا..
فتبّتْ يدانا..

 

 

فتبّتْ يدانا..
أتينا إليكَ بعاهاتنا..
وأحقادِنا.. وانحرافاتنا..
إلى أن ذبحنكَ ذبحاً
بسيفِ أسانا
فليتكَ في أرضِنا ما ظهرتَ..
وليتكَ كنتَ نبيَّ سِوانا…
5

 

 

أبا خالدٍ.. يا قصيدةَ شعرٍ..
تقالُ.
فيخضرُّ منها المدادْ..
إلى أينَ؟
يا فارسَ الحُلمِ تمضي..
وما الشوطُ، حينَ يموتُ الجوادْ؟
إلى أينَ؟
كلُّ الأساطيرِ ماتتْ..
بموتكَ.. وانتحرتْ شهرزادْ
وراءَ الجنازةِ.. سارتْ قريشٌ
فهذا هشامٌ..
وهذا زيادْ..
وهذا يريقُ الدموعَ عليكْ
وخنجرهُ، تحتَ ثوبِ الحدادْ
وهذا يجاهدُ في نومهِ..
وفي الصحوِ..
يبكي عليهِ الجهادْ..
وهذا يحاولُ بعدكَ مُلكاً..
وبعدكَ..
كلُّ الملوكِ رمادْ..
وفودُ الخوارجِ.. جاءتْ جميعاً
لتنظمَ فيكَ..
ملاحمَ عشقٍ..
فمن كفَّروكَ..
ومَنْ خوَّنوكَ..
ومَن صلبوكَ ببابِ دمشقْ..
أُنادي عليكَ.. أبا خالدٍ
وأعرفُ أنّي أنادي بوادْ
وأعرفُ أنكَ لن تستجيبَ
وأنَّ الخوارقَ ليستْ تُعاد.

استشهاد جمال عبدالناصر.. فؤاد حداد

يا حضن مصرى يا طلعة فجر يا ريّس
مع السلامة يا والد يا أحنّ شهيد
آدى الرقابى ودى الأعلام بتتنكـّس
فين طـلـّتك في الدقايق تسبق المواعيد
والابتسامة اللى أحلى من السلام بالإيد
يامعانا في كل فرحة ومعركة وجديد
أؤمر لى بحقوقى وهدوم الولاد في العيد
والمجانيّة ومرايل بيضا والأناشيد
والصبر ما يغلبهش الذلّ والتنهيد

 

فرّقت ورقك وقلت الكلّ يكتب لى
من البحيرة من الشرقيـّة من قبلى
أنا خفت لو أم تنده وتلاقينى بعيد
ياما السفر والبريد ياما الأمل بدرى
ياما الغلابة تريد منشيّة البكرى
وياما قلبك خفق من رحمته وضناه
كل الآهات شعب واحد يا حبيب الله
يا صادق العقل واكتاف الفواعـليّه
صدر الشهامة اللى أكبر منها حنيّه
نسّيتنا أيّام ما كانت راسنا محنيّه
آدى المدارس ودى الشوارع ودى العمال
والفـلاحين الأحبّه أمّتك يا جمال
داوم على الحق ياكبير العرب داوم
عشر ليالى بضحاها وانت مش نايم
خلـّينا نعلى بحناجر تطلبك ودموع
يا قوة الشعب يا قلب الوطن مسموع
يا رؤية الذاكرة يا واحد الجماهير
صوتك نبع من نبات نادى وشرف وضمير
من ملحمة ومن دموع زى النهاردا كتير
خلينى أسأل دموعى قبل ما اكتبها
وليل ما كانش انتهى وأيّام نعتـّبها
واسمك يدور في المناره خالد الإحساس
مين اللى أكبر مقامك في قلوب الناس
إلا مقامهم في قلبك

لا وقت للبكاء.. أمل دنقل

لا وقت للبكاء

فالعلم الذي تنكسينه.. على سرادق العزاء

منكس في الشاطئ الآخر ،

والأبناء ..

يستشهدون كى يقيموه.. على «تبة» ،

العلم المنسوج من حلاوة النصر ومن مرارة النكبة

خيطاً من الحب.. وخيطين من الدماء

العلم المنسوج من خيام اللاجئين للعراء

ومن مناديل وداع الأمهات للجنود :

في الشاطئ الآخر ..

ملقى في الثرى

ينهش فيه الدود ،

ينهش فيه الدود.. واليهود

فانخلعى من قلبك المفئود

فها على أبوابك السبعة، يا طيبة ..

يا طيبة الأسماء :

يُقْعَى أبوالهول ،

وتُقعى أمة الأعداء

مجنونة الأنياب والرغبة ..

تشرب من دماء أبنائك قربة.. قربة

تفرش أطفالك في الأرض بساطا ..

للمدرعات والأحذية الصلبة

وأنت تبكين على الأبناء ،

تبكين ؟

يا ساقية دائرة ينكسر الحنين ..

في قلبها، ونيلك الجارى على خد النجوع

مجرى دموع

ضفافه: الأحزان والغربة ،

تبكين؟ من تبكين ؟

وأنت ـ طول العمر ـ تشقين، وتحصدين ..

مرارة الخيبة

وأنت ـ طول العمر ـ تبقين، وتنجبين ..

مقاتلين.. فمقاتلين.. في الحلبة

* * *

الشمس (هذه التي تأتى من الشرق بلا استحياء)

كيف ترى تمر فوق الضفة الأخرى ..

ولا تجئ مطفأةْ ؟

والنسمة التي تمر في هبوبها على مخيم الأعداء

كيف ترى نشمها.. فلا تسد الأنف ؟

أو تحترق الرئة ؟

وهذه الخرائط التي صارت بها سيناء

عبرية الأسماء

كيف نراها.. دون أن يصيبنا العمى ؟

والعار.. من أمتنا المجزأة ؟

.. والطفلة الصغيرة العذبة

تطلق ـ فوق البيت ـ «طيارتها» البيضاء

كيف ترى تكتب في كراسة الإنشاء

عن بيتها المهدوم فوق الأب.. واللعبة ؟

وأمى التي تظل في فناء البيت منكبة

مقروحة العينين، مسترسلة الرثاء

تنكث بالعود على التربة :

رأيتها: الخنساء

ترثى شبابها المستشهدين في الصحراء

رأيتها: أسماء

تبكى ابنها المقتول في الكعبة ،

رأيتها: شجرة الدر ..

ترد خلفها الباب على جثمان (نجم الدين)

تعلق صدرها على الطعنة والسكين

فالجند في الدلتا

ليس لهم أن ينظروا إلى الوراء

أو يدفنوا الموتى

إلا صبيحة الغد المنتصر الميمون

… … …

والتين والزيتون

وطور سنين، وهذا البلد المحزون

لقد رأيت يومها: سفائن الإفرنج

تغوص تحت الموج

وملك الإفرنج

يغوص تحت السرج

وراية الإفرنج

تغوص، والأقدام تفرى وجهها المعوج ،

.. وهأنا ـ الآن ـ أرى في غدك المكنون :

صيفا كثيف الوهج

ومدناً ترتج

وسفناً لم تنج

ونجمة تسقط ـ فوق حائط المبكى ـ إلى التراب

وراية (العُقاب)

ساطعة في الأوج

* * *

والتين والزيتون

وطور سنين، وهذا البلد المحزون

لقد رأيت ليلة الثامن والعشرين ..

من سبتمبر الحزين :

رأيت في هتاف شعبى الجريح

(رأيت خلف الصورة)

وجهك.. يا منصورة ،

وجه لويس التاسع المأسور في يدى صبيح

… … …

رأيت في صبيحة الأول من تشرين

جندك.. يا حطين

يبكون ،

لا يدرون ..

أن كل واحد من الماشين

فيه.. صلاح الدين !

 

 

الرجل ذو الظل الأخضر.. محمود درويش

نعيش معك
نسير معك
نجوع معك
وحين تموت
نحاول ألا نموت معك !
ولكن لماذا تموتَ بعيدًا عن الماء
والنيل ملء يديك؟!
لماذا تموت بعيدًا عن البرق
والبرق في شفتيك؟
وأنت وعدت القبائل
برحلة صيف من الجاهليةْ
وأنت وعدت السلاسل
بنار الزنود القويةْ
وأنت وعدت المقاتل
بمعركة تُرجِع القادسيةْ

 

نرى صوتك الآن ملء الحناجر
زوابع تلو زوابع
نرى صدرك الآن متراسَ ثائر
ولافتة للشوارع
نراك
نراك
نراكطويلًا كسنبلة في الصعيد
جميلًا كمصنع صهر الحديد
وحُرًّا كنافذة في قطار بعيد
ولست نبيًّا..
ولكن ظلّك أخضر
أتذكر؟
كيف جعلت ملامح وجهى
وكيف جعلت جبينى
وكيف جعلت اغترابى وموتى
أخضر
أخضر
أخضر؟
أتذكر وجهى القديم؟
لقد كان وجهى يُحنَّط في متحف انجليزى
ويسقط في الجامع الأموى
متى يا رفيقى؟
متى يا عزيزى؟
متى نشترى صيدليةْ
بجرح الحسين.. ومجد أميةْ
ونبعث في سدِّ أسوان خُبزًا وماء
ومليون كيلو وات من الكهرباء؟
أتذكر؟
كانت حضارتنا
بدويًّا جميلًا يحاول أن يدرس الكيمياء
ويحلم تحت ظلال النخيل بطائرة
وبعشر نساء
ولست نبيًّا
ولكن ظلك أخضر ..
نعيش معك
نسير معك
نجوع معك
وحين تموت
نحاول ألا نموت معك
ففوق ضريحك ينبت قمح جديد
وينزل ماء جديد
وأنت ترانا
نسير
نسير
نسير.

 

 

«الحلم والأغنية».. صلاح عبدالصبور

لا.. لم يمت
وتظل أشتات الحديث ممزّقات في الضمائر
غافيات في السكينة
حتى تصير لها من الأحزان أجنحة
تطير بها كلامًا مرهقًا
يمضى ليلقفه الهواءُ
يرُدّه لترن في جدرانه دور مدينة الموت الحزينةْ
أصوات أهليها الذين بنت بهم سرر البكاء
يتجمّعون على موائد السهر الفقير
معذبين ومطرقين
الدمع سقياهم وخبزهم التأوُّه والأنين
يلقون ـ بين الدمعتين ـ زفير أسئلة
تُخشخش مثل أوراق الخريف الذابلات
هل مات من وهب الحياة حياته
حقًّا أمات؟

تتجمع الكلمات حول اسمٍ سرى كالنبض في شريانهم
عشرين عامًا
كان الملاذ لهم من الليل البهيم
وكان تعويذ السقيم
وكان حلم مضاجع المرضى
وأغنية المسافر في الظلام
وكان مفتاح المدينة للفقير يذوده حرس المدينة عن حِماها
وكان موسم نيلها
يأتى فينثر ألف خيط من خيوط الخصب تورق في رباها
وكان من يحلو بذكر فعاله في كل ليلة
للمرهقين النائمين بنصف ثوب.. نصف بطن
سمر المودّة والتغنِّى والتمنِّى والكلام
والآن أصبح كل لفظ خنجرًا
ولكل أمنية عذاب
هل مات.. واحزناه!!
عشرين عامًا
نلقاك شابًّا في رداء الحرب تنفخ في النفير
كى توقظ الأشلاء
تجمع شمل مصر المسترَقَّة
كانت على مجرى الزمان تمزّقت قِطَعًا
فطُفتَ على مسار النيل تجمع مزقة في إثر مزقةْ
حتى نهضت- نهضتما – ألقيتما التابوت في لهب السعير
وعدتما في خير رفقةْ
نلقاك كهلا أشيب الفودين في عمر النبوةْ.

 

زيارة إلى الضريح.. أحمد فؤاد نجم

السكه مفروشة تيجان الفل والنرجس
والقبه صهوة فرس عليها الخضر بيبرجس
والمشربية عرايس بتبكى والبكى مشروع

من دا اللى نايم وساكت
والسكات مسموع
سيدنا الحسين؟
ولا صلاح الدين ولا النبى
ولا الإمام؟
دستور يا حراس المقام ولا الكلام بالشكل دا ممنوع؟
على العموم
أنا مش ضليع في علوم الانضباط

أبويا كان مسلم صحيح
وكان غبى
وكان يصلى ع النبى
عند الغضب والانبساط

 

 

أبويا كان فلاح تعيس
في ليله ضلمه خلفوه
وف خرقه سودا لفلفوه
وف عيشه غبرا
طلعوه
وعشه مايله سكنوه
ولصموه
وطلسموه
ودجنوه
وجهزوه
وجوزوه على عماه
فكان محير في هواه ما بين أمى والجاموسة
وكان يخاف يقتل ناموسه
وكان خجول خجول
خجول
وكان دايما يقول استغفر الله العظيم من باب الاحتياط

 

 

أبويا طلعتوه حمار فكان طبيعى يجيبنى جحش
لا أعرف نبى من أجنبى
ولا مين ما جاش ولا مين ما رحش
موسى نبى
عيسى نبى
كمان محمد كان نبى
ويا قلبى صلى ع النبى
وكلنا نحب النبى
وكل وقت وله أدان
وكل عصر وله نبى

 

 

وإحنا نبينا كده
من ضلعنا نابت
لا من سماهم وقع
ولا من مرا شابت
ولا انخسف له القمر
ولا النجوم غابت
أبوه صعيدى وفهم قام طلعه ظابط
ظبط على قدنا وع المزاج ظابط
فاجومى من جنسنا
ما لوش مرا عابت
فلاح قليل الحيا
إذا الكلاب سابت
ولا يطاطيش للعدا
مهما السهام صابت
عمل حاجات معجزة وحاجات كتير خابت
وعاش ومات وسطنا
على طبعنا ثابت
وان كان جرح قلبنا كل الجراح طابت
ولا يطولوه العدا
مهما الأمور
جابت

 

«مرثية العمر الجميل».. عبدالمعطى حجازىهذه آخر الأرض
لم يبق إلا الفراقْ
سأسوّى هنالك قبرًا
وأجعل شاهده مزقة من لوائك
ثم أقول سلامًا
زمن الغزوات مضى والرفاقْ
ذهبوا
ورجعنا يتامى
هل سوى زهرتين أضمُّهما فوق قبرك
ثم أمزِّق عن قدمى الوثاق؟!
إنّنى قد تبعتك من أول الحلم
من أول اليأس حتى نهايته
ووَفَيْتَ الذماما
ورحلت وراءك من مستحيل إلى مستحيل
لم أكن أشتهى أن أرى لون عينيك
أو أن أميط اللثاما
كنت أمشى وراء دمى
فأرى مدناً تتلألأ مثل البراعم
حيث يغيم المدى ويضيع الصهيل
والحصون تساقط حولى
وأصرخ في الناس
– يومًا بيوم –
وقرطبة الملتقى والعناقْ
آه.. هل يخدع الدم صاحبه
هل تكون الدماء التي عشقتك حراما؟ !

 

كنتُ في قلعةٍ من قلاع المدينة ملقى سجينا
كنت أكتب مظلمة
وأراقب موكبك الذهبى
فتأخذنى نشوة وأمزِّق مَظلمتى
ثم أكتب فيك قصيدةْ
آه يا سيّدى !
كم عطشنا إلى زمن يأخذ القلب
قلنا لك اصنع كما تشتهى
وأعد للمدينة لؤلؤة العدل
لؤلؤة المستحيل الفريدةْ

 

 

لم أكن شاهدًا أبدًا
إننى قاتل أو قتيل!
مت عشرين موتًا
وأهلكت عشرين عمرًا
وآخيت روح الفصول
تتوارى عصوركم وأظل أغنّى لمن سوف يأتى
فترجع قرطبة وتجوز الشفاعةْ

 

إننى أحلم الآن
لم تأت
بل جاء جيش الفرنجة
فاحتملونا إلى البحر نبكى على الملك
لا.. لست أبكى على الملك
لكن على عمرٍ ضائعٍ لم يكن غير وهمٍ جميل !
فوداعًا هنا يا أميرى
آن لى أن أعود لقيثارتى

وأواصل ملحمتى وعبورى
تلك غرناطة تختفى
ويلف الضباب مآذنها
وتغطّى المياه سفائنها
وتعود إلى قبرك الملكى بها
وأعود إلى قدرى ومصيرى
من ترى يعلم الآن في أي أرضٍ أموت؟.

 

 

في ذكراك الأولى يا ناصر.. الجواهرى

 

أكبرت يومك أن يكون رثاء
الخالدون عهدتهم أحياء
أَوَيُرزقون؟ أجل، وهذا رزقهم
صنو الوجود وجاهة وثراء
صالوا الحياة، فقلت دَيْنٌ يقتضى
والموت قيلَ فقلتُ كان وفاء
أثنى عليك وما الثناء عبادة
كم أفسد المُتعبّدون ثناء
لا يعصم المجد الرجال وإنّما
كان العظيم، المجد والأخطاء
قد كنت شاخص أمّة نسماتها
وهجيرها، والصبح والإمساء
ألقت عليك غياضها ومروجها
واستودعتك الرمل والصحراء
كنت ابن أرضك من صميم ترابها
تعطى الثمار، ولم تكن عنقاء
تتحضّن السرّاء من أطباعها
وتلُمّ – رغم طباعك – الضرّاء
قد كان حولك ألف جار يبتغى
هدمًا، ووحدك من يريد بناء
لله صدرك ما أشدّ ضلوعه
في شدّة، وأرقّهن رخاء
أثنى عليك، على الجموع يصوغها
الزعماء، إذ هي تخلق الزعماء
ناهضت فانتهضت تجرّ وراءها
شمم الجبال عزيمة ومضاء
ونكست فانتكست، وكنت لواءها
يهوى، فما رضيت سواك لواء
لسنا ملائكة ولكن حسبنا
إغراؤها، لنقاوم الإغراء
فيم التعجّب، لا نُحمّل وزرنا
قدرًا، ولا ما نحن فيه قضاء
يا ابن الكنانة وابن كل عظيمة
دهياء، تُحسن في البلاد بلاء
ذبح الفداة ورحت أنت ضحيّة
عنهم، وما أغنى الفداء فداء.

القادم عند الفجر.. محمد الفيتورى

الآن وأنت مسجى
أنت العاصفة، الرؤيا، التاريخ، الأوسمة، الرايات
الآن وأنت تنام عميقًا
تسكن في جنبيك الثورة
ترتدّ الخطوات
تعود الخيل مطأطئة من رحلتها
مغرورقة النظرات
الآن يقيم الموت سرادقه العالى
يتدفق كالأمطار على كل الساحات
الآن يكون الحزن عليك عظيمًا
والمأساةتدوس على جثث الكلمات
الآن وهم يبكون
كأن ملايين الأرحام
ولدتك
وأنك عشت ملايين الأعوام
وكأن اسم البطل المنحوت على حجر الأهراماسمك
وكأن يد العربى الأول
– تشعل كل مآذن مكةفى ليل الصحراء – يدك
وكأنك أنت تقاتل تحت لواء محمد في مجد الإسلام
وليلة أن سقطت خيبر
قبّلت جبين علىّ مبتسمًا
ورحلت غريبًا تحملك الأيام
لتبصر ظلّ جوادك عبر موانئ بحر الروم
وتبنى أهرامات أُميّة فوق جبال الشام

عبدالناصر
عبدالناصر
أيدى الفقراء على ناقوس الثورة
والفقراء
غرباء ومصلوبين
زحموا الباب العالى ومشوا فوق البسط الحمراء
وخديو مصر يطأطئ هامته بعد الخُيلاء
أو أنت عرابى الواقف تحت الراية
ذو الصوت الآمر
أو أنت الثورة يا عبدالناصر
أو أنت الثورة والشعب الثائر

دع لى بعض الزهرات أعلقهن على صدرك
دع لى بعض اللحظات
يا من يتضاءل مجد الموت لدى عتبات عُلاه
يا من يتجسّد- وهْو شَموخ- في قلب المأساة
يا عطر الأيام الحُبلى بعذابات التكوين
يا من هو كل المظلومين وكل المهمومين
إنى أصغى لصدى خطواتك في أرض فلسطين
أو أنت القادم عند الفجر إلى أرض فلسطين
عليك سلام الله
عليك سلام الله .

 

مواويل وتناتيش للذكرى.. الأبنودى

 

أنا باشكر اللى خلق لى الصوت وأوصاني
أقول كلام حُرّ.. مايقبلْش لون تاني
مااسكتش ع الضِّيم واهشّ الغيم بقولة «آه»
وإن سرقوا صوتي.. بينسوا ياخدوا قولة «آه»
في الفرْح في الجرح إيه حيلتى إلاّ قولِة «آه»
يحميك يا ولدى وكنت اسكت وتتكلم
يحميك يا ولدى واكون مجروح وتتألم
ياما حرسْت النهار.. آدى النهار.. ضلِّم
وإن شفت جرح الوطن جوّه الفؤاد علم
تقول كلام.. ياسلام.. يحيينى من تاني!!
أنا كان لى ورْدات عجب.. كبّرتها بايدي
أسقيها بالدمع بالدم اللى في وريدي
جانى غشيم القدم وداس على ورودي
أخدم جناينى في بستانى يا ناس إزاي؟
وإن نمت ناسى باقوم فاكر يا ناس إزاي؟
مين مرّر الشاى في شفايفى وبكى الناي؟
ياليل يابو الهمّ.. تحتك دم.. ما تحاسب
وقوللّى إمتى يا ليل.. وفين حنتحاسب؟
إزاى بلادى تبات ليلة مع الغاصب
وإزاى يدوس وردها.. واقولّه: «ياسيدي؟!
مدّ الأمل سِكِّتُه.. وقالِّنا: «سيروا
نصيبكو حيصيبكوا تمشوا والاَّ حتطيروا
عيشوا النهارده الزمن.. بكره زمن غيره
آدى أول السكة صوت الضحكة بيلالي
والشمس أمشيلها ألاقيها اللى ما شيالي
ولا حدّ يقدر يعكّر قلبنا الخالي
لكن ومين بكرة يعرف إحنا فين فيها؟
هيه حتدينا والا احنا حندّيها؟
وإيه نصيبنا من الأيام ولياليها؟
غاب الزمن في الزمن.. واحنا بِلا عزوة
ولا نملك إلا نماشى السكة ونسيروا«!!
ويا مصْر وان خيرونى ما اسكن الاَّكي
ولاجْل تتبِّسمي.. يا ما بابات باكي
تسقينى كاس المرار.. وبرضُه باهواكي
بلدى ومالى الّا إنتى ولو ظلمتيني..
مقبولة منِّك جراح قلبى وْدموع عيني
الجرح يشْفَى إذا بإيدك لمستيني..
كلّك حلاوَة.. وكلمة «مصر».. أحلاكي!!
التّناتيش
من يمدحُه يطلع خاسر
ويشبَّروله.. أيامه
يعيش جمال عبدالناصر
يعيش بصوته وأحلامه في قلوب شعوب عبدالناصر

مش ناصرى ولا كنت ف يوم
بالذات في زمنه وف حينه
لكن العفن وفساد القوم
نسّانى حتى زنازينه.. في سجون عبدالناصر

إزاى ينسّينا الحاضر..
طعم الأصالة اللى في صوته؟
يعيش جمال عبدالناصر
يعيش جمال حتى ف موتُه ما هو مات وعاش عبدالناصر!!

اسمه جمال وجميل فعلاً
ياما شفنا شجعان خوّافه
عظيم.. وكان إنسان طبعاً
المجد مش شغل صحافة علشان ده عاش عبدالناصر

أعداؤه كرهوه ودى نعمة
مِن كرهُه أعداؤه صادق
في قلبه كان حاضن أمَّه
ضمير وهمَّة ومبادئ ساكنين في صوت عبدالناصر
ملامحنا.. رجعت بعد غياب
دلوقت بس اللى فهمناه
لا كان حرامى ولا كداب
ولا نهبها مع اللى معاه أنا باحكى عن عبدالناصر
عشنا الحياة وياه كالحلم
فلا فساد ولا رهن بلاد
يومها انتشينا ثقافة وعلم
وف زمنه ماعشناش آحاد كنا جموع في زمن ناصر
كان الأمل في خُضرِتُه بِكْر
مافيش لصوص للقوت والمال
ومصر أبطال ورجال فكر
ومثقفين ستات ورجِال جيوش جمال عبدالناصر

 

كان الهلال في قلبه صليب
ولا شفنا حزازات في بلادنا
ولا شُفنا ديب بيطارد ديب
ولا جرَس خاصم مادنة وَحَّدْنا صُوت عبدالناصر

دفعنا تمن الحرية
بدمّ مش بدينار ودولار
يوم وقفته في «المنشية»
خلّى الرصاص يهرب من عار أعداء جمال عبدالناصر

 

رغم الحصار كنا أحرار
وفى الهزيمة الشعب ماجعْش
كان اسمها «بلد الثوار»
وقرار زعيمها مابيرجعْش قرار جمال عبدالناصر

خلَّى بلادُه.. أعزّ بلاد
ليها احترام في الكون مخصوص
لا شفنا وسط رجالُه فساد
ولا خطط سمسرة ولصوص كان الجميع عبدالناصر

لولاه ماكنتوا اتعلمتوا
ولا بقيتوا «دراكولا»
ياللى انتو زعما وإنجازكو
دخّلتوا مصر الكوكاكولا وبتشتموا ف عبدالناصر

عمره ما جاع في زمانه فقير
أو مالتقاش دوا للعِلّة
دلوقت لعبةْ «اخطف طير»
والأمة في خِدْمةْ شِلَّة تكره جمال عبدالناصر

يتّريقوا على طوابيرُه
علشان فراخ الجمعية
شوفوا غيره دلوقت وخيرُه
حتى الرغيف بقى أمنية يرحم جمال عبدالناصر!!

فيه ناس بتنهب وتسوِّف
لا يهمّها من عاش أو مات
ورضا العدو عنّا يخِوِّف
معناه أكيد إننا قَفَوات من يوم مامات عبدالناصر!!

الأرض رجْعت للإقطاع
وقالوا: «رجعت لصْحابها»
وصاحبَك الفلاح تانى ضاع
ضاعْت العقود واللى كتبها وخط إيد عبدالناصر!
أنا أذكُرك من غير ذكري
والناس بتفتكرك بخشوع
الأمس واليوم ده وبكره
يبكوك بعظمة مش بدموع يكفَى نقول: «عبدالناصر»
دلوقت رجعوا الفقرا خلاص
سكنوا جحورهم من تاني
رحل معاك زمن الإخلاص
وِجِهْ زمن غير إنسانى ماهوش زمن عبدالناصر!!
صحينا على زمن الألغاز
يحكمنا فيه «أهل الأعمال»
وللعدو.. صدّرنا الغاز
بفرحة وبكل استهبال نكاية في عبدالناصر!
بنمدها بغاز الأجيال
تحويشةِ الزمن القادم
إتوحَّشوا فْ جمع الأموال
ورجعْنا سادة.. وخوادم ضد اتجاه عبدالناصر
يا جمال.. نجيب زيك من فين
يا نار.. يا ثورة.. يا ندهِةْ ناي..
البوسطجي.. إللى اسمه «حسين»
– أبوك- منين جابك؟ وإزاي.. عمل جمال عبدالناصر؟!

لو حاكتبك.. ما تساع أقلام
ولا كلام غالى وأوراق
الأمر وما فيه.. أنا مشتاق
فقُلتْ أمسِّى عليك وأنام نومةْ جمال عبدالناصر!!

 

الهرم الرابع.. نزار قباني

1
السيّدُ نامْ
السيّدُ نام
السيّدُ نامَ كنومِ السيفِ العائدِ من إحدى الغزواتْ
السيّدُ يرقدُ مثلَ الطفلِ الغافي.. في حُضنِ الغاباتْ
السيّدُ نامَ..
وكيفَ أصدِّقُ أنَّ الهرمَ الرابعَ ماتْ؟
القائدُ لم يذهبْ أبداً
بل دخلَ الغرفةَ كي يرتاحْ
وسيصحو حينَ تطلُّ الشمسُ..
كما يصحو عطرُ التفاحْ..
الخبزُ سيأكلهُ معنا..
وسيشربُ قهوتهُ معنا..
ونقولُ لهُ..
ويقولُ لنا..
القائدُ يشعرُ بالإرهاقِ..
فخلّوهُ يغفو ساعاتْ..
2
يا مَن تبكونَ على ناصرْ..
السيّدُ كانَ صديقَ الشمس..
فكفّوا عن سكبِ العبراتْ..
السيّد ما زالَ هُنا..
يتمشّى فوقَ جسورِ النيلِ..
ويجلسُ في ظلِّ النخلاتْ..
ويزورُ الجيزةَ عندَ الفجرِ..
ليلثمَ حجرَ الأهراماتْ.
يسألُ عن مصرَ.. ومَن في مصرَ..
ويسقي أزهارَ الشرفاتْ..
ويصلّي الجمعةَ والعيدينِ..

ويقضي للناسِ الحاجاتْ
ما زالَ هُنا عبدُ الناصرْ..
في طميِ النيلِ، وزهرِ القطنِ..
وفي أطواقِ الفلاحاتْ..
في فرحِ الشعبِ..
وحزنِ الشعب..
وفي الأمثالِ وفي الكلماتْ
ما زالَ هُنا عبدُ الناصرْ..
من قالَ الهرمُ الرابعُ ماتْ؟

3
يا مَن يتساءلُ: أينَ مضى عبدُ الناصرْ؟
يا مَن يتساءلُ:
هلْ يأتي عبدُ الناصرْ..
السيّدُ موجودٌ فينا..
موجودٌ في أرغفةِ الخُبزِ..
وفي أزهارِ أوانينا..
مرسومٌ فوقَ نجومِ الصيفِ،
وفوقَ رمالِ شواطينا..
موجودٌ في أوراقِ المصحفِ
في صلواتِ مُصلّينا..
موجودٌ في كلماتِ الحبِّ..
وفي أصواتِ مُغنّينا..
موجودٌ في عرقِ العمّالِ..
وفي أسوانَ.. وفي سينا..
مكتوبٌ فوقَ بنادقنا..
مكتوبٌ فوقَ تحدينا..
السيّدُ نامَ.. وإن رجعتْ
أسرابُ الطيرِ.. سيأتينا..

 

المصري اليوم
%d مدونون معجبون بهذه: