الرئيسية / أقلام وآراء / ازمة قلنديا.. جلطة في شريان حيوي 

ازمة قلنديا.. جلطة في شريان حيوي 

بقلم: امنة علي محسن
لا يمر يوم على المسافر بين جنوب ووسط الضفة وشمالها دون الاختناق في أزمة السير، التي باتت تعرف “أزمة قلنديا”، القديمة الحديثة والمتجددة كما الشمس، من الصباح الباكر وحتى للمساء
ضجيجٌ وصراخٌ وابواق لا تهدأ، وموظفون وطلاب يتأخرون على أعمالهم ودوامهم، يتذمرون ويتأففون، بسبب مقطع قلنديا حيث أهم خطوط الضفة الغربية، وشريان المواصلات الحيوي نبين الشمال بالجنوب مرورا بالوسط، حيث القلب الإداري للدولة العتيدة ومركز النشاط والخدمات والذي يشهد عبور عشرات آلاف المركبات في الاتجاهين لتعلق في أزمة خانقة لا حل لها يلوح في الافق.
خلق الاحتلال ازمة السير هذه مع بداية الانتفاضة الثانية عام 2000، اثر اقامته ما بات يعرف باسم حاجز قلنديا العسكري على البوابة الشمالية لمدينة القدس لفصلها عن مدينة رام الله، على الشارع الرئيسي بالقرب من مطار القدس حيث مخيم قلنديا في مقطع مروري نشط وتفاقمت مع سعيه الى فرض الحاجز الى معبر حدودي دائم غير ابه بالكارثة التي سببها
ومشهد الطوابير والاكتظاظ وحجم الألم والمعناة البادية على الوجوه هو القمة الظاهرة لجبل الجليد الذي يدفعه الاحتلال في الحياة اليومية للمواطن العادي وسلبة ابسط حقوقه في الحركة والتنقل فيما تكمن الخطورة في هيكل الجبل الطافي والذي يمس كل ما هو فلسطيني
ومن المفروغ منه القول ان الاحتلال يعيق كل شيء في فلسطين، ليس فقط حركة السير والمرور، إذ يكمن السبب الرئيسي وراء أزمة قلنديا وجود الحاجز العسكري الذي يبدو ان جنوده يتلذذون ويستمتعون بافتعال اختناق مروري مكلف عبر اغلاق الحاجز لفترة وجيزة ما يؤدي إلى اكتظاظ يحتاج الى وقت لتفكيكه
اليوم كما بالأمس يتعوذ من يعبر طريق قلنديا بالله من هذه الأزمة، التي تقتل للوقت وتسرق حياة الفلسطيني الذي يفقد من عمره ساعتين يوميا على الأقل عالقا وسط جود مروري خانق لدرجة الاستفزاز واستنزاف الجسد والروح يحاول البعض التحايل عليه بالتظاهر بالنوم ، وخاصة من تجبره ازمة قلنديا ان يخرج باكراً من منزله ليتوجه إلى عمله أو جامعته ليلا .
بالمجمل الطبيعي لا يحتاج المسافر الطريق إلى أكثر من 40 دقيقة للوصول إلى مدينة رام الله مركز الضفة الغربية، إلا انه يقضي اليوم الساعتين للوصول، ما يدفع باعداد متزايدة الى شراء أو إستئجار منازل في مدينة رام الله أو بالقرب منها لتفادي هذه العقدة
وتتجلى الازمة وثقلها في حديث العامة اذا لا يخرج سائق يريد المرور عن قلنديا دون طرح السؤال الذي بات تقليدا، “كيف الطريق؟ أزمة ولا سالكة قلنديا ووفق الإجابة يتجه السائقين إلى الطريق البديل، على الرغم من أنه أطول ويحتاج إلى جهد أكثر، ومخاطرة أكثر بسبب وقوعه على أطراف مستوطنة بيت إيل، عبر ما يعرف بحاجز الارتباط العسكري
وخلال الشهور الأخيرة تكثفت الجهود الفلسطينية في مسعى لايجاد حل خلاق وجذري للازمة عبر جهد وخطط رسمية تمثل في مشروع أعلنت عن الحكومة السابقة برئاسة رامي الحمد الله بكلفة مليوني شيكل، ومحاولات بلدية أخرى بذلتها بلدية كفر عقب أساسها لكن سلطات الاحتلال كانت لها بالمرصاد وتعمل على اجهاضها لتبقى الازمة وتداعياتها
وغم ان الاحتلال هو المسبب الرئيسي الا انه من نافلة القول أيضا ان جزء من الازمة يتسبب فيه عامل ذاتي يحاول البعض التعامي عنه بالتعليق الالي على شماعة الاحتلال باعتباره الطريق الاسهل للتملص من المسؤولية الوطنية  الرسمية والذاتية
لا يحتاج الامر الى مراقب  خبير للملس هذا الجانب من المعادلة، المواطن العادي يرى بام عينه يوميا أخطاء وممارسات فردية يقوم بها سائقون وتفاقم الازمة وتضاعف المعاناة
يحدث هذا على سبيل المثال لا الحصر عندما “يتذاكى سائق او يتشاطر”، فيقود  مركبته بعكس حركة السير أو تجاوز المركبات أو حتى الخروج من المخارج التي تكون للطوارئ، فتتداخل المركبات وتتشابك كما مسننة  تدير الازمة في حلقة مفرغة  في مخالفة صارخة للقانون الغائب والمغيب تماما عن هذا المكان،
لا نريد في هذه السطور اجترار الموضوع او أعاد الوصف والتشخيص الذي قيل ولا يزال يقال ويكتب فيه الكثير بقدر ما نريد التعرض  لقضايا تبتعد عن التباكي وتتعلق اكثر بايجاد
ان وقوع هذه المنطقة في المناطق التي تصنف “ج”، حيث لا سيطرة رسمية للسلطة الفلسطينية عليها، ومحاولات الاحتلال لابقاء الازمة ومفاقمتها لمضاعفة التعب النفسي والجسدي للمواطنين وغيرها من الظروف الموضوعية هي عوامل علينا في المقابل وانطلاقا من حس ومسؤولية وطنية تحوليها الى دوافع لتعزيز المسؤولية الفردية والجماعية للتقليل من الازمة وتداعيتها
وخلاصة القول ان هذه المعضلة التي في ظاهرها هي مسالة إنسانية وأخلاقية ونظامية بحته،  الا انها تخفي في ضجيج الابواق أزمة سياسية تتطلب تضافر كل الجهود الوطنية الرسمية عبر اثارتها سياسيا ودبلوماسيا بصفتها انتهاكا فظا لابسط حقوق الانسان الفلسطيني والعمل عبر وزارة الاشغال العامة ووزارة والنقل والمواصلات والشؤون المدنية على حالها على غير صعيد  وعلى المواطنين وبالالتزام بقوانين السير وتطبيقها، للتخفيف من حدة هذه الأزمة، ورحلة عذاب الاجبارية فيما يبقى زوال الاحتلال وحواجزه هو الحل الأساسي والجواب على سؤال، كيف الوضع على قلنديا؟!
%d مدونون معجبون بهذه: