الرئيسية / أقلام وآراء / بين مدينتين : أوسلو/ دبي

بين مدينتين : أوسلو/ دبي

hanan_bakeer
حنان باكير
مثير جدا أن تنتقل في ساعات قليلة من مناخ متطرف في برودته الى آخر متطرف في حرارته !! صادفت زيارتي الاولى، لإمارة دبي، في شهر ديسمبر/ كانون الاول. كنت قد غادرت مطار أوسلو، ومدرجاته قد تحوّلت الى حقول ثلج أبيض. فيما بدت دبي من نافذة الطائرة، مثل نجوم متكاثفة لامعة.
لاحقا، وبعد تواتر زياراتي لدبي، أيقنت أن المناخات المتطرفة، تتناقض بدرجة البرودة والحرارة فقط! لكنها تتشابه وتتطابق بأمور كثيرة. حيث أن المناخات تتحكم في صياغة أنماط الحياة، ونوعية الطعام وأسلوب اللباس. حبي لهاتين المدينتين، جعلني أبحث عن المشترك بينهما كنموذجين للمناخات المتطرفة والقاسية!
الشاعر النرويجي الكبير هوفارد ريم، قال في مقابلة اجريتها معه، أن الجحيم ليس دوما حارا.. بل قد يكون باردا جدا! ويرى ان البرد الشديد، هو جحيم بلاد الشمال، وهو صليبهم، ولذا تجد ان أعلام تلك البلاد تزينها الصلبان! وفي الإمارات او الخليج عامة، فإن الحرارة هي صليب المنطقة!
عانت الإمارات العربية وكذلك النرويج، من فقر مدقع، وظروف معيشية
قاسية، قبل مرحلة السبعينيات من القرن الماضي! وأدبيات الطرفين تروي قصص معاناة الناس في تلك المرحلة..
في برد وصقيع النرويج، تستطيع مخيلتنا رسم صورة، لحياة الناس ومعاناتهم، في مرحلة الفقر، وقبل وسائل التدفئة، وكل التسهيلات الحياتية المتوفرة اليوم، والتي تقرب من الرفاهية. قرأت كيف عاش النرويجيون قبائل، وسكنوا مع مواشيهم في مكان واحد يستدفئون بصوفها وأنفاسها! وعندما زرت الإمارات، في فصل الصيف، تخيّلت حجم معاناة الناس، قبل وجود المكيّفات والتسهيلات التي تعينهم على مواجهة قسوة الصحراء، حين تنفث جحيمها! ربما ساعدت ” البراجيل” في مرحلة سابقة، في تخفيف حدة الحر، لكنها لا تقارن مع الوسائل العصرية التي نشهدها اليوم.
كان طعام النرويجيين، محدودا ومحصورا، في الأسماك ولحم حيوان الرنّة، والحليب. يقددون لحم الرنّة والماعز. ويجففون الأسماك ويحفظونها بطرق مختلفة. وما زالوا حتى الان، يواظبون، في الأعياد على تناول تلك اللحوم محضّرة بنفس الطريقة التقليدية ! وفي الإمارات، او الخليج بشكل عام، عاش الناس على لحم الإبل وحليبها، وعلى صيد الأسماك، والبحث عن اللؤلؤ. كان السفر في البحر طلبا لكنوزه وأسماكه لا يخلو من المخاطر، ولا يأمل العاملون في هذا المجال بالعودة سالمين الى عائلاتهم، وهذا ما سمعته من الطرفين.. وكم من الرجال ابتلعت البحار، وهذه سمة بين البلدين!
حياة البداوة التي عاشها الطرفان متشابهة، في القسوة والترحال طلبا للكلأ او للدفء. واذا شكلت الناقة والجمل، مصدر تنقل وترحال، وطعام.. فكذلك شكّل حيوان الرنّة بالنسبة للنرويجيين، ولطالما ألهبت مخيّلتنا، صور الثلوج، والعربات التي تجرها قطعان الرنة. واعتاد السكان الانتقال بقطعانهم من السواحل الى الأماكن الداخلية، هربا من الثلوج، وطلبا لبعض الدفء، وإيجاد المراعي لقطعان الرّنة.
النرويج كما الإمارات، فتحت ابوابها للوافدين من كل الجنسيات. إنما بأشكال مختلفة. ما بين نظام اللجوء، ونظام استيراد العمالة، حتى أصبحت أعداد الوافدين، أضعاف عدد السكان الأصليين.. فكلا البلدين بلغ تعداد سكانهما، الخمسة ملايين، وبضمنهم الوافدين.
أسست النرويج، برنامجا اجتماعيا، يضمن المتطلبات الأساسية للمواطن، والتي تجنبه العوز والحاجة. لكن الضرائب على مدخول العاملين، والممتلكات، مرتفع جدا. وفي الجانب الاخر، لا نجد نظام الضرائب هذا، مقابل عدم بناء نظام اجتماعي، متكامل يضمن فترة البطالة او المرض. فحافظت الامارات على المستوى الرفيع لسكانها من الوافدين، وأنعشت اقتصاد دولهم.
شهد عقد السبعينيات من القرن الماضي، ظهور طفرة البترول، في النرويج وفي ابو ظبي، وهي المرحلة التي أخرجت الشعبين من دائرة الفقر والقحط الى عصر الرفاهية.
الإمارات العربية.. اجترحت من لهيب الصحراء، فردوسا وأبراجا.. والنرويج نحتت من جليدها وصقيعها حضارة ودفئا إنسانيا..

شاهد أيضاً

خطوات تائهة

حنان باكير يحملك الشوق الى أماكن غير راغبة في استقبالك، وسرعان ما تتحول الى أماكن …

كاتبة وناشطة أميركية: حان الوقت لكسر الصمت تجاه فلسطين

قالت ناشطة أمريكية معروفة  ان الرقابة الأميركية في السنوات الأخيرة، وتحديدا بعد وصول دونالد ترامب، …

إسراء الجعابيص جرحٌ غائرٌ ووجعٌ دائمٌ

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي أجدُ نفسي مقصراً إن لم أكتب عن الأسيرة الفلسطينية إسراء …

%d مدونون معجبون بهذه: