اّخر الأخبار
الرئيسية / أقلام وآراء / الهوية الفلسطينية بين القومية والاحتلال

الهوية الفلسطينية بين القومية والاحتلال

 

محمد شحادة*

 

 

منذ فجر التاريخ تحتل فلسطين أهمية جغرافية  ومرتبة دينية فهي تقع في وسط العالم مما جعلها بوابة تربط بين قارتي افريقيا وأسيا ايضا القارة العجوز قارة اوروبا وكانت تشكل طرق تجارية نشطة بين الهند التي كانت تعتبر من اضخم اسواق العالم التجارية في الماضي البعيد مما اكسبها اهمية استراتيجية وجعلها محط انظار الاطماع الاستعمارية في العصور الوسطى وتميزت فلسطين ايضا بنقطة هامة جدا لدى العالم فهي مهد الديانات وارض الانبياء .

 

هذه المزايا التي تتفرد بها فلسطين زاد من اطماع الدول الاستعمارية ومحاولة السيطرة مما جعل الفلسطينيون يخوضون صراعا طويلا مع المستعمرين افقدتهم متعة التمتع بوطنهم وحرمهم من جمال وسحر هذا الوطن, وكان اخرها الاحتلال الصهيوني الذي تمخض عن نشوء اسرائيل على اراضيهم التاريخية, وقد حاول الاحتلال طمس هوية فلسطين الوطنية وتهميشها عالميا بكل الوسائل المتاحة في صراع كان المنتصر فيه دوما الشعب الفلسطيني اذ صمدت الهوية الفلسطينية منذ عام 1948 الى اليوم, ولم تقتصر تلك المعركة على الاحتلال الصهيوني بل وكانت هناك معركة اشد ضراوة وعنفوان امتدت ما قبل الاحتلال الصهيوني بعقود وهي معركة دار رحاها بين القومية العربية والاسلامية من جهة وبين اثبات استقلالية الهوية الفلسطينية الوطنية من جهة اخرى اذ عمدت الدول العربية بعد انتهاء الاستعمار الاوروبي فيها واستقلالها لاحتواء القضية الفلسطينية وتسييسها وتوطينها وعدم استقلالية قراراتها وتجسد ذلك في اقحامها في صراعاتها الداخلية وانقلابات وتقلبات انظمتها حيث كانت مشروع سياسي يطرحه كل من يريد الوصول للحكم وبرز ذلك في بداية الثورة الفلسطينية ونشأت منظمة التحرير .

 

لقد كان هناك مراحل للصراع الملحمي الوجودي الفلسطيني ما بين الاحتلال والتوطين العربي للهوية الفلسطينية وهذه بعض المراحل :

 

فلسطين من الانتداب حتى محاولات الاستقطاب :

 

احتلت بريطانيا فلسطين عام 1917 واقرت عصبة الأمم ذلك تحت ذريعة الأنتداب عام 1922 ولم يقتصر الأمر على ذلك بل وقد بعث اللورد ارثر جيمس بلفور وزير خارجية بريطانيا رسالة الى زعيم  صهيوني في بريطانيا اسمه والتر روتشيلد ما سمي لاحقا بوعد بلفور وتنص الرسالة على تاكيد البريطانيين بانشاء وطن قومي لليهود في فلسطين وكانت هذه اول محاولة لأنهاء الهوية الفلسطينية واستبدالها بأخرى يهودية وبدأت الحكومة البريطانية تجلب المهاجرين اليهود من كل بقاع اوروبا وتزج فيهم على شواطئ فلسطين باعداد كبيرة لتكمل مخططاتها وبين عامي 1920- 1936 وصل الى فلسطين 282.645 يهودي من اوروبا ولكن لم تستطع سياسة الانتداب بكل ما فعلته من تغيير الواقع والتاريخ الديمغرافيا في فلسطين ورافقها سياسة تهريب الاراضي لليهود حيث واجه الفلسطينيين تلك المخططات بأسلحة مضاضه رسخت مفهوم الهوية الفلسطينية وكانت اسلحته هي الثورات الشعبية والاحتجاجت ومن اهمها الثورة الفلسطينية والأضراب العام ما بين عامين 1936- 1939 وكان ذلك رفضا لسياسة بريطانيا ودعمهم هجرة اليهود المنظمة فبلورت هذه المقاومة والتصدي الهوية الفلسطينية في نفوس الفلسطينيين وعقولهم وقد انقلب السحر على الساحر أذ انتجت وعي مبكر لضرورة ترسيخ مبدأ التشبث بالهوية الوطنية وتقوية دفاعاتها واصبح الفرد الفلسطيني يكون داخله شخصية حرة وذاتية ويضع لنفسه خطوط حمراء لايجب الاستغناء عنها في التصدي لكل المؤامرات التي تحيكها بريطانيا, لم تفتصر تلك المؤامرات على شن الهجمات الديمغرافية العنيفة بل رسمت ايضا على شكل قرارات بريطانية ودولية تدعي بانها لتهدئة الاوضاع وانصاف الفلسطينيون حسب زعمهم سميت الكتب البيضاء واللجان الغربية التي زارت فلسطين كلجنة شو ومؤتمراتها وتاثيرها على مصير القضية الفلسطينية حيث رسخت في عقول الفلسطينيون فكرة أن كل تلك القرارات والكتب البيضاء هي قرارات مكملة لمشروع انهاء الهوية الفلسطينية وخلعها من جذورها وكان ذلك سببا في بداية بلورة مشروع شعبي لتثبيت الهوة الوطنية لدى الفلسطينيين وتشبثهم بكل تفاصيلها من تراث وعادات وتقاليد وجعرافيا وديمغرافية وأهمية الثقافة الفلسطينية وتهميش الثقافة التي حملتها دولة الاستعمار بريطانيا حين احتلت فلسطين وانتدبتها.

ولم تتوقف التحديات عند هذا الحد ففي الوقت نفسه وقعت فلسطين بين فكي كماشة طرفها الاول بريطانيا واليهود والطرف الثاني هو الدول العربية المتحررة حديثا والتي كان معظمها ملكيا او خاضعا لاحدى الدول الاستعمارية سياسا وثقافيا كمصر والعراق والاردن وايضا السعودية وقد اتضح ذلك من خلال انعقاد المؤتمرات العربية والاسلامية على حد سواء والتي كان يتمخض عنها قرارات تحد من اهمية الشخصية الفلسطينية الذاتية والحرة وكانت هذه الاقرارات في مقدمتها قرار  تمثيل الشعب الفلسطيني في حل مشاكله وكفاحه ضد الاستعمار ومن بعده الاحتلال الصهيوني  وتاكيد العرب على قومية القدس وليس تخصيصها كعاصمة لفلسطين بل وزد على ذلك تديينها اي جعلها عاصمة عربية دينية اكثر من انها عاصمة فلسطينية رمزية وخاصة بشعب يسكن ارض فلسطين منذ الازل وقبل كتابة التاريخ حتى, سبب ذلك التعميم صعوبات اخرى للفلسطينيون بخصوص هويتهم الوطنية ولكن ما سمي بالاستقطاب خصوصا لدى الاحزاب القومية العربية وحكومات حاولت تجسيد هويتها القومية بفلسطين على حساب الهوية الوطنية بحيث حجمت فعالية القرارات الفلسطينية ان ذاك واقحمت فلسطين في معاركها الداخلية بين ازقة سياساتها وصراع السلطة .

 

بين النكبة والنكسة والحلم القومي:

 

بين عامي 1947- 1948 بدأت العصابات الصهيونية بمهاجمة القرى الفلسطينية حيث ارتكبت مجازر وجرائم بشعة ضد السكان الفلسطينيون ومن استطاع النجاة هاجر قصرا ولجأ الى مناطق اخرى مجاورة لم تصلها يد الهدوان الصهيوني ومن ابرز تلك المجازر :

 

1- مذبحة بلدة الشيخ بتاريخ 31-12-1947 : راح ضحيتها (600) شهيد جلهم من الاطفال والنساء والمسنين حيث ارتكبت عصابة الهاغاناه الصهيونية تلك المجزرة.

2- مذبحة دير ياسين بتاريخ 10-4-1948 : حيث داهمت نفس العصابة مع عصابتي اراغون وشتيرن القرية الواقعه غرب القدس المحتلة وقتلت (360) مواطن فلسطيني وهروب الباقون على قيد الحياة .

3- مذبحة ابو شوشة بتاريخ 14-5-1948 : وقد كانت تلك المجزرة من نوع اخر إذ قام بها لواء للجيش النظامي الصهيوني المزعوم المعروف باسم اللواء جفعاتي وراح ضحيتها (50 ) من الاطفال والنساء وكبار السن .

وقد صنع الصهاينة من تلك المجازر سلاح اخر اخط بكثير من القتل وهو الرعب والخوف والهروب بعيدا عن اراضي لم تصلها بعد تلك العصابات حيث عمدوا بفظاعة افعالهم لارهاب الفلسطينيين ونجحوا في ذلك وقد هاجر قصرا من الخوف والرعب ألاف الفلسطينيون وفي هذه المرحلة ترنحت الهوية الوطنية مع سوء الاحوال على الارض حيق هزم الصهاينة بمساعدة العتاد الذي تركه لهم البريطانيين مع المعدات والمركبات والطائرات الحربية الحديثة أن ذاك حيث ساعد ذلك على تطبيق مخططاتهم ضد الفلسطيننين وسبب ذلك النكبة وهي مصطلح يرمز إلى التهجير القسري الجماعي عام 1948 لأكثر من 750 ألف فلسطيني من بيوتهم وأراضيهم في فلسطين .

لقد شكلت النكبة نقطة تحول مهمة ومرحله مفصليه في تاريخ الكفاح للحفاظ على هوية المجموع الفلسطيني وبالاخص ممن تركوا ارضهم ومنازلهم وقراهم وافترشو العراء والتحفوا السماء قبل ان يسكنوا خيام الامم المتحدة ويصبحوا لاجئين داخل وطنهم وفي الدول المجاوره مما ادى الى تحول جذري في نمط حياة الفرد واسلوبه الاجتماعي والذي بدوره اثر على سلوكه بشكل كامل وثقافته حيث ابدع الفرد الفلسطيني في التعبير عن هويته الوطنيه وتمثل تلك المرحله بروايات كتبها من عانوا من النكبه والظلم واللجوء وسكنوا المخيمات كروايه( العشاق ) لرشاد ابو شاور حيث وضح كيف كانت النكبه سبب في سقل الفلسطيني وتكوين شخصيته اذ جعلت منه تلك الظروف والاعباء التي حملها اقوى ذو اصرار ورسخت داخله معنى الوطنيه والارض والكفاح للعوده الى قريته وذكر فيها ايضا تلك الانظمه العربيه التي تعبر عن قوميتها ووطنيتها وتعلن ذلك ولكن لا تعطي الفرصه لاي مواطن منكوب بالنضال والكفاح وتراقب تحركان كل فلسطيني وتحاول ان تقرر مصيرهوكيف ان القوميه بالنسبة للانظمه العربيه والوطنيه هي مجرد تسيير وبرمجة الفرد الفلسطيني وقضيته لتخدم مصالحهم بدعوا القومية، منذ النكبة وتحاول الانظمة العربيه تسييس القضية الفلسطينيه وجعلها قومية اكثر من انها وطنيه تخص الشعب الفلسطيني بل ووضعت عند ظهور حركة التحرير شروط للاعتراف بها وهي ان تكون تابعه لهم وليس حره بقراراتها واعمالها العسكريه او السياسيه وهذا ما رفضه الفلسطينيون وكيف عانا الفلسطينيون من الاختلافات مع بعض الدول العربيه وقد كانت منظمة التحرير تدعو لقيام دوله ديمقراطيه علمانيه لها حرية تقرير المصير وانتصر الفلسطينيون في هذه المواقف وتمسكو بمبادئهم حتى عام 1967 حين حدثت النكسه العربية وانتصار اسرائيل على الجيوش العربية في ستة ايام وسقوط القدس والضفة الغربية باكملها من يدي الاردنيون وغزة ومصر من يدي المصريون والجولان من سوريا حيث عاد الفلسطينيون للهجره القصرية ولكن كانت اقل بكثير من عام 1948 لأن الفلسطينيون قد اصبح عندهم وعي بما حدث وما يحدث وعواقب ترك اراضيهم وأن الخوف الذي اصابهم عام في النكبة كان سبب خسارتهم كل شيء وأن العرب لم يسطيعوا حمايتهم ومن جهة اخرى تغيرت افكار اناس كثيرون تجاه حلم القوميه والدوله العربيه الواحده التي دعا اليها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر فلا جيوش حمتهم ولا قومية العرب شفعت لهم فزدادت في داخلهم مشاعر الهويه الفلسطينيه وحلم تحقيق الاستقلال وتجلى هذا في عام 1968حيث ساهمت قوات منظمة التحرير ومعظمها من الفلسطينيون بقياده فلسطينيه من صد عدوان الصهاينه غلى الضفة الشرقيه لنهر الاردن وساهمت في منع احتلال  الاردن بالتعاون مع الجيش الارردني في معركة الكرامه والتي اظهر فيها الفلسطينيون كفائتهم وحنكتهم وصحة قراراتهم وهذا ما جعل نظرة العرب تجاه هوية الفرد الفلسطيني الحره والانتماء والتفرد لوطن وجعلهم يتاكدون بان الفلسطينيون قادرون على تحريك دفة القضيه والوصول الى بر الامان وبعدما اصبح حتى الفرد الفلسطيني الذي يعيش تحت الاحتلال في ارضه بلا عمل وتحت وطئة الفقر واستطاع الفرد والمجموع من ترتيب ظروفه واحواله وتحويل سلاح الاحتلال الى نقاط قوه إذ شكل خارج فلسطين في المخيمات والدول المجاوره لنفسه نظام اساسي واهداف واستراتيجيات وبخطا ثابته اصبح يتقدم رويدا رويدا لتحقيق دوله حرة ديمقراطيه يعيش فيها على ارض تحتوي تراثه وماضيه وحاضره ومستقبله وحتى اليوم تحاك المؤامرات تجاه شعب يتمسك بهويته الوطنية ووطن احاك له العرب حديثا مع الاستعمار والاحتلال صفقة يظنون بانها ستوقف الثراع الدائر ما بين طمس الهوية وبين صمودها وتثبيتها على خارطه فلسطين المحتله.

 

====

*طالب بكلية الاعلام بجامعة ابو ديس

    

المصادر :

 

  1. سياسة الانتداب البريطاني حول أراضى فلسطين العربية، منشورات فلسطين المحتلة- بيروت ، د. محمد سلامة النحال، الطبعة الثانية .
  2. اكرم زعيتر, كتاب (القضية الفلسطينية ) نشرت عام 1955.
  3. د.احمد الرشيدي, مقالة على موقع الجزيرة بعنوان (البعد العربي في الصراع الفلسطيني الاسرائيلي) .
  4. لبيب عبد السلام قدسية، إبعاد الفلسطينيين عن وطنهم 1967-1993، عمان 1993.
  5. جواد الحمد، الشعب الفلسطيني ضحية الإرهاب والمذابح الصهيونية، مركز دراسات الشرق الأوسط ، عمان.
  6. رشاد ابو شاور – رواية العشاق .
  7. الموسوعةالفلسطينية،هيئةالموسوعةالفلسطينية،دمشق،الطبعةالأولى 1984،المجلدالرابع،ص 313 – 3326.
  8. الجزيرة – الموسوعة – جيوش وحروب –اسرائيل تهزم العرب في ستة ايام .
  9. مؤسسة الدراسات الفلسطينيه –رحلات فلسطينيه – معركة الكرامة لحظة تحول في المقاومه الفلسطينيه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *