اّخر الأخبار
الرئيسية / تقارير وتحقيقات / الراحل عبد المحسن القطان… حكيم المال والسياسة

الراحل عبد المحسن القطان… حكيم المال والسياسة

 

بروفايل بثينة حمدان

الجزء الأول/ بصوته المتهدّج القوي بدأ حديثاً عن حياته الممتدة بالطموح والثبات على المبدأ، ممزوجاً بخفة الظل، شهر واحد يفصل ميلاده (5 نوفمبر 1929) عن تاريخ وفاته (4 ديسمبر2017) وبينهما مسيرة حياة قضاها في خدمة الثقافة والتعليم والوطن المغترب والمقيم والثائر، تابع اللحظات الأخيرة لتجهيزات المبنى الجديد الخاص بمؤسسة القطان للثقافة والعلوم في فلسطين، وغاب عن الافتتاح رحيلاً سماوياً، فيما تستمر المؤسسة التي تتجسد في فكرة وليس فرداً.. هو عبد المحسن القطان؛ كويتي الجنسية والاقامة وفلسطيني الأصل، لم يبحث عن المال ولا السياسة لكنه الحكيم فيهما.. كان سعيداً بهذا الحوار مع صحيفته المفضلة “القبس” راغباً في أن تكون المؤسسة هي محور الحديث، فإذا بالقدر يجعلنا نكتب مسيرة حياته..

يافا.. وتجنيد البرتقال

في حي الجبلية في مدينة يافا ولد عبد المحسن الابن الثالث للعائلة، حيث منزل كبير يتسع لأربعة أخوة وأختين، ووالديه حسن وأسماء، والكثير من الأقارب الذين ترددوا على المكان المطل على البحر، جاءت صرخت المولود هادئة وثابتة في نغماتها ،جاء مستعداً لأمواج البحار التي اعتاد العوم فيها مذ كان رضيعاً  إلى أن أصبح فتىً نقياً بفعل احتكاكه بمياه البحر المالحة، وكثير العطاء بحجم اللون الأزرق الذي يُظَلّل بحر يافا.

تزوج والده ثم اضطر للسفر مرغماً مع الاتراك الذين جندوه في حربهم إلى اليمن، وحين عاد وانفصل عن زوجته، تزوج بوالدة عبد المحسن، عمل بالزراعة وتصدير البرتقال الذي تشتهر به يافا، وتوفي قبل النكبة حين كان عبد المحسن في الرابعة عشر، جاء من مدرسته في القدس ليودع والده المريض، وكحال الأسر الفلسطينية تشتت العائلة بعد النكبة والتحقت والدته وأبناءها بعائلتها في اللد ثم إلى الأردن. هو من عائلة متوسطة استطاعت أن تكون أول من امتلك مذياع في الحي، فَشُرعت أبواب البيت الكريم أكثر فأكثر لتستقبل الراغبين بالاستماع إلى المذياع. لذا تحتفظ ذاكرته الغضة بمشهد والده مرحباً بالضيوف ووالدته في المطبخ تعد واجب الضيافة.

إلى المعلم.. السكاكيني

أنهى عبد المحسن الاعدادية في المدرسة الأيوبية في يافا ومنها نقله والده لمتابعة دراسته الثانوية في كلية النهضة بالقدس وفيها تتلمذ على يد الأديب والتربوي ومدير الكلية والمؤسس خليل السكاكيني؛ الشخصية التي سمع عنها والده وأثّرت في عمر الفتى الندي كثيراً. “السكاكيني علّمني عالوطنية”، فقد تابعه هو وأترابه في الصف لاسيما في السنة الأخيرة في المدرسة؛ فكان يصطحبهم أسبوعياً إلى بيته، حيث يعيش مع ابنه وذكرى زوجته المتوفاة. يصف لنا الأديب القوي والبسيط وهو يقدم لهم “الجاتوه”، قال عبد المحسن: أذكر كلامه جيداً، مؤلفاته للأطفال كلها وعظ وخطب كنا نحفظها، هو أستاذ لغة عربية بارع وصاحب تطلعات ثورية ومواقف احتجاجية.

الخطيب الصغير

رغم اعترافه بمشاغباته في الصغرلكنه لم يأت على ذكر التفاصيل، فقد توقف عن ذلك بعد انتخابه في العامين الأخيرين في كلية النهضة رئيساً للعُرَفاء؛ أي مسؤولاً عن تمثيل المدرسة في المناسبات وإلقاء الخطب، فهو البارع في الشعر والأدب كتابة وجهراً في إذاعة الكلية. كيف لا وقد نما برعاية من السكاكيني ومؤلفاته، وكان شغوفاً بشاعره المفضل أبو الطيب المتنبي وتأثر بما كتبه إثر زيارته لإيران: “ولكن الفتى العربي فيها غريب الوجه واليد واللسان” كناية عن كره الايرانيين للعرب بقدر الاسرائيليين. ونَهم من شعر أحمد شوقي الذي قال عنه إنه “أعظم الشعراء الناصريين”، وهكذا كانت الكلية التي أتاحت لهم أيضاً ملعبها الكبير وأخذتهم في رحلات إلى مسبح جمعية الشبان المسيحيين، ومع صديقه صالح برانسي المكافح الذي سجنه الاسرائيليون مراراً، كانت مكاناً لتعلّم “الوطنية” قولاً وتجربة.

الانطلاقة في بيروت

رغم حبه للسياسة والاقتصاد، إلا أن ظروف العائلة بعد النكبة وقلة العمل أخذته إلى تخصص أقرب إلى مهمة اعالة عائلته، فدرس إدارة الأعمال في الجامعة الأمريكية في بيروت حتى عام 1951. لم تكن الجامعة فريدة بمستواها التعليمي فقط بل وبطلبتها القادمين من البلاد العربية، وهو أمر لامس قلبه القومي العربي، بينهم نسبة كبيرة من الطلبة العراقيين لأن جزء كبير من أموال النفط تذهب لصندوق خاص بالتعليم، وهو ما أعجب به عبد المحسن. ثم أصبح عضواً في اتحاد الطلبة، ونشط في جمعية العروة الوثقى العريقة والتي كان عمرها آنذاك مائة عام، يصدر عنها مجلة شهرية تحمل اسمها وكُتّابها من الطلبة. نجح فيها عبد المحسن وصار رئيس تحريرها ونائباً لرئيس الجمعية، كتب وزملاءه ضد الصهيونية ودعماً للوحدة العربية وللتعليم، وعن الثورة الجزائرية،عدا عن الأدب والشعر، ومن كتابها سعدون حمادة الذي أصبح رئيس حكومة العراق، ودكتورة سعاد اسماعيل وهي أول وزيرة للتربية والتعليم والبحث العلمي في العراق فترة السبعينات.”كان الطلبة من الدرجة الأولى علمياً وفكرياً” كما قال.

الحب في الجماعة.. والحرية للفرد!

لم يكن بالامكان أن يكون للحب متسع، وان وجد فإنه يذوب بين الجماعة، ولا مكان للقاءات الثنائية، الحب يعني زواج، ولو استطاع عبد المحسن الزواج لفعلها مبكراً كما قال، قد يكون أحب في الجامعة لكنه لم يستطع فتح هذا الباب، ومازالت وصية والدته قبل سفره للدراسة تُجَلجِل: “دير بالك من النسوان”.

بيروت بالنسبة إليه هي المدينة التي يستطيع الانسان فيها أن يعبر عن نفسه فكرياً وسياسياً، لذا نظّم وزملاءه العديد من النشاطات السياسية والثقافية، وشاركوا في مظاهرات دعماً لفلسطين.قال: “لم يسألنا أحد ماذا نفعل ولماذا؟” وأضاف: “لبنان البلد الجميل حيث صيدا الجبل.. والشتاء للتزلج”.

الكويت.. الرحلة الطويلة

ألقت النكبة بظلالها على عائلته التي رحلت قسراً إلى العاصمة الأردنية عمان، ولحق بهم عبد المحسن، ومنها عاد لتسلم أول عمل له في الجامعة الكويتية لمدة عام، ضمن القسم التجاري وكان يدرس في قسم اللغة الانجليزية أيضاً، وبلغ أول راتب له ثمانون دينار، يرسلها لأهله جميعها، فقد وفرت له الوظيفة السكن والمأكل. وسرعان ما عاد راغباً في البقاء إلى جانب والدته واخوانه، وفيها عمل في التدريس في الكلية الاسلامية في القسم التجاري أيضاً.

وبترشيح جديد لصديق آخر له في الكويت لأمير الكويت هذه المرة، حصل على عرض للعمل في وزارة الكهرباء والماء، لم يكن يرغب بالسفر والابتعاد عن والدته، فأخذ يفاوضهم ويرفع سقف طلباته، لكنهم وافقوا على بيت وسيارة وراتب مغري، وهكذا عمل مراقباً عاماً في الوزارة وهو منصب يوازي درجة وكيل وهو ابن الخامسة والعشرين عاماً.

أحب الكويت التي قدمت له الكثير، وتحدث بفخر عن التغييرات التي عاشتها، فهي اليوم “لديها وفرة من المياه والثالثة عالمياً في معدل استهلاكها، فالوقود رخيص ولا ضرائب، ويستخدمون المياه المقطرة لغسيل السيارات، وفيها أيضاً محطات التقطير”.

قضى عشرة سنوات في الوزارة إلى أن وصل راتبه ألفي دينار مطلع الستينات، ساهم خلالها في بناء شبكة الكهرباء والمياه الحلوة، وصار للدولة دخلٌ ممتاز وقال: “بدون الكهرباء والمياه من الصعب البناء والعيش، اذا وجد المال الكافي والخبرة يحصل البلد على ما يريد، وفي الكويت يتوفر المال وتم استجلاب الخبرة وهذا سر انفتاحهم”.

دمشقية اللقاء.. كويتية البقاء

ربما كانت الصدفة هي التي جمعته بزوجته ليلى، كان يعرف أخيها وهو من رشحه للعمل في جامعة الكويت، فقد كان والدها المناضل درويش المقدادي والذي يشغل منصب مدير التعليم في الكويت، ذهب وأخيها للقاء المقدادي في دمشق، فإذا بصبية في العشرين تقدم له عصير الليمون، والدتها متوفية لكن زوجة ابيها امرأة رائعة، ألمحت له بالزواج، وهكذا تحولت العلاقة العائلية إلى نسب، التقيا عدة مرات في الكويت حيث كانت تتردد هناك، إلى أن ذهب عبد المحسن وأخيه الأكبر وأصدقاءه لطلب يدها.

تزوجا في الكويت في حفل بسيط، وانطلقا بالسيارة إلى البصرة حيث فندق قديم على شط العرب.عاشا في الكويت وعملت زوجته مدرسة للغة الانجليزية، بدأت عائلتهم تكبر حين جاءت نجوى، ثم ثلاثة أخوة آخرين هم لينا وهاني وعمر.

الكويت وصناعة المال

رغم نفوذه ومنصبه ودخله العالي في وزارة الكهرباء الكويتية، إلا أنه قررالتوجه للعمل الخاص، لم يكن قد جمع المال الكافي لذلك كونه يساعد عائلته واخوته الذين كانوا في الجامعة، رفض الوزير وطلب منه الذهاب إلى الأمير عبد الله السالم الصباح لإعلامه بذلك، وهو ما فعل فسأله الأمير عن الأسباب واذا كان يمتلك الخبرة بالتجارة فأجاب عبد المحسن: ليس لدي خبرة في التجارة، خبرتي في العقود ومن نجح ليس أذكى مني. فوافق تاركاً الباب مفتوحاً لعودته وقتما أراد.

عمل في مجال البناء، فأسس ابن الثالثة والثلاثين عاماً شركة الهاني للانشاءات والتجارة عام 1963؛ تضم مهندساً واحداً وسكرتيرة وعشرة آلاف دولار جمعها في عشرة سنين هي رأس المال، عَمِل بطاقة مضاعفة تصل عشرين ساعة، كان يأخذ عقوداً جزئية، دون أن يتمكن من إدارة مقاولات كاملة كون الشركة حديثة وبلا خبرة أو رأسمال يفي بالمهمة. ويكرر الزمن ذاته ويرشحه أحدهم إلى رئيس مجلس إدارة ومؤسس بنك الخليج، والذي حصل على وكالة للتكييف ويبحث عن شريك، طلب شراكة عبد المحسن لكن الأخير لا يملك المال لذلك، فباع 45% من أسهم الشركة لرجل الأعمال وانتقل رأس مال الشركة إلى 75 ألف دينار، وهكذا توسع العمل، وبعد خمسة وخمسين عاماً صارت الشركة واحدة من الشركات الكبرى في المنطقة والتي تصل أرباحها إلى خمسين مليون دولار سنوياً.

وحين سألته عن رأسمالها، قال ببساطة: يمكن 100 أو 200 او 300 مليون! ربما هي إجابة رجل مال يسخر من المال، فالقيمة الحقيقية لديه هي بتعب السنين ومراكمة العطاء، الشركة اليوم تقوم بأهم المشاريع في الكويت منها بناء قسم من جامعة الكويت ومركز جابر الثقافي.

في الحلقة القادمة الراحل عبد المحسن القطان صاحب مبدأ في السياسة يصطدم مع أبي عمار في حبه للكويت، ويختلف معه ومع القيادات التاريخية في حبه لفلسطين… دعاني لافتتاح المبنى الضخم الجديد لمؤسسة عبد المحسن القطان فحضرت ولم أجده… رحل القطان وبقي القطان صرحاً ثقافياً وتعليمياً كبيراً وإرثاً لا ينضب… القطان فكرة وليس فرد.

شاهد أيضاً

الطبيب الحاج يحيى: صمّام الأمان

بروفايل بثينة حمدان   .. توقف قلب شابة بريطانية (27 عاماً) عن النبض، وبدأت قطرات …

عبد المحسن القطان في ذمة الله والرئيس ينعى رجل الأعمال الوطني

رام الله – فينيق نيوز –  نعى الرئيس محمود عباس، رجل الاعمال الوطني الفلسطيني عبد …

“كامل” في الفن.. “الباشا” في التمثيل

– بثينة حمدان كان في التاسعة من عمره حين وقف على “خشبة” أول مسرح في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *